عون والهرطقة الدستورية
لا يحتاج الأب ان يذكّر أولاده كل يوم بأبوته ورعايته لهم، ولا يحتاج الطبيب ان يظهر شهاداته لكل مريض يزور عيادته، ولا يحتاج الجيش القوي الى حملة اعلانية تؤكد قدرته على الردع، ولا يحتاج القائد السياسي بالطبع ان يردد كل يوم على مسامع انصاره انه زعيمهم، فلماذا لا يكف النائب ميشال عون عن التأكيد في كل مناسبة انه يمثل غالبية المسيحيين اذا كان هذا أمراً أكيداً؟ ولماذا يصعب على السياسيين الآخرين، سواء المسيحيون منهم او من باقي الطوائف، ان يقروا له بذلك اذا كان صحيحاً؟ ولماذا لا يعترف له حتى حلفاؤه بادعائه التمثيلي حين تصل الامور الى تحديد الحصص؟
قبل يومين فقط زار عون الرئيس ميشال سليمان في قصر بعبدا، بعدما أعاق طويلاً وصوله اليه رغم كثرة تشديده على ان الفراغ في هذا المنصب يضعف موقع المسيحيين في التركيبة اللبنانية وينقص من حقوقهم، وكانت المناسبة هذه المرة بحث التشكيلة الحكومية التي يؤخرها عون ايضاً بسلسلة مطالبه التي لا تنتهي، وغرضها دوماً رغبته في ان يتم التعامل معه بصفته زعيماً أوحد للمسيحيين.
ويختلط على عون معنى كلمة «توافقي» فيعتبر انها تنزع عن الرئيس مسيحيته، وعندما يرفض ان يسمي العماد سليمان وزيري الدفاع والداخلية لاعتبارات امنية يتطلبها انطلاق العهد الجديد، انما يرفض الاعتراف بأن الرئيس يمثل المسيحيين في نظام الرئاسات الثلاث ويريد ان ينتزع منه صفته هذه لنفسه. وعندما يضع «فيتو» على إسناد حقيبة الدفاع او أي حقيبة اخرى الى الوزير الياس المر، انما يستكمل سياسياً ما فشلت فيه محاولة الاغتيال الآثمة التي تعرض لها المر لأنه تحديداً يشغل هذه الحقيبة.
تخرق مواقف عون المنطق السليم. فهو يتماهى مع الشعارات السياسية لحلفائه في المعارضة ويتبنى مواقفهم حتى ليذوب فيها، لكنه يصبح «كيانا» قائماً بذاته عندما يبدأ التفاوض على حصته. فإذا كان قابلاً بأنه جزء لا يتجزأ من الاقلية، فهذا يعني انه لا يستطيع ان يعامل الأكثرية بوصفها اجزاء بل بصفتها كلا، ويعني ايضاً ان عليه اذا رغب في زيادة حصته ان يتفاوض على ذلك مع حلفائه وليس مع خصومه، لأن الاقلية تبقى اقلية والأكثرية تبقى اكثرية، بغض النظر عن الحجم الذي يدعيه أي طرف فيهما. واذا كان قابلاً بدخول حكومة وحدة وطنية بموجب اتفاق الدوحة فلماذا يصر على انه سيبقى في المعارضة، وهو الذي اعتبر في كتاب له ان المعارضة من داخل الحكم «هرطقة دستورية».
لقد بنى الجنرال المتقاعد (ونشدد على تعبير المتقاعد لأنه ربما لا يزال يعتبر نفسه قائدا للجيش ويتصرف على هذا الاساس) شعبيته، في فترة معينة من مرحلة الاحتراب الاهلي، على شعارين كان يرفعهما: الاول محاربة الميليشيات المسلحة التي قال انها تتسبب في تآكل دور الدولة وهيبتها ومؤسساتها، والثاني تحرير لبنان من الاحتلال السوري. لكنه يقف اليوم على طرفي نقيض من الشعارين اللذين شن حربين مدمرتين من اجلهما، فهو من جهة يتحالف مع «حزب الله» المسلح حتى العظم والذي يأكل من دور الدولة وهيبتها ومؤسساتها ويبني دولة بديلة مرتبطة عضوياً بإيران وليس بسورية وحدها، ويتبنى من جهة ثانية، في مشروع فتنة جديد، مطلب دمشق غير المعلن بتعديل صلاحيات رئيس الوزراء بعدما انحاز السنّة الى سيادة الدولة ومؤسساتها الدستورية. فهل يحافظ بذلك على مصالح المسيحيين كما يدعي؟