عون ينتقل من التعطيل الى التخريب: المسّ بالدستور واسقاط "الطائف"
نقلا عن "السياسة": أثار اقتراح النائب ميشال عون الجديد بتعديل الدستور للحد من صلاحيات رئيس الحكومة استياء سياسياً ودستورياً في الأوساط المختلفة، سواء في صفوف الأكثرية النيابية أو المعارضة، لأنه كشف عن أهداف خطيرة لسلوك انتهجه في الأشهر والسنوات الماضية، وتميز بسمة واحدة وهي التعطيل، وها هو ينتقل اليوم الى مرحلة متقدمة عنوانها "التخريب".
من الناحية الدستورية، فان اقتراح عون عملية تخريبية بكل ما للكلمة من معنىً، اذ أن اتفاق الطائف الذي جعل مجلس الوزراء مجتمعاً صاحب السلطة في لبنان، وأخرج هذه السلطة من صلاحيات أي رئيس من الرؤساء الثلاثة، ترك لكل منهم بمفرده القدرة على مراقبة عمل الوزارات والادارات.
ويأتي اشراف رئيس الحكومة على الهيئات النقابية في هذا الاطار، اذ أن الدستور بعد الطائف حرم رئيس الحكومة وكذلك رئيس الجمهورية من حق محاسبة واقالة الوزير، ولكنه أوجد الامكانية لمراقبة وضبط عمله، وأعطت المادة 64 من الدستور هذا الحق لرئيس الحكومة، وبالتالي فان المس بها يعني بكل بساطة نسف التوازن الدستورين الذي قام عليه لبنان منذ اتفاق الطائف.
ثانياً في القراءة السياسية، علمت "السياسة" أن مساعي تشكيل جبهة مسيحية حليفة لدمشق والتي أشارت اليها سابقاً، اصطدمت بعقبتين رئيسيتين، الأولى رفض عدد من الأحزاب السياسية المسيحية الانخراط فيها، والثانية رفض الانخراط في ميليشيا مسلحة، فكان أن لجأ عون الى الاعلان عن تفاهم سياسي ولقاء لمسيحيي المعارضة يضم اليه حلفاءه سليمان فرنجية والياس سكاف و"حزب الطاشناق"، وهو تجمع قديم لا جديد فيه، ما اضطر عون الى رفع السقف السياسي لهذا اللقاء بفتح "حرب داحس والغبراء" ضد الطائفة السنية أملاً في تحقيق أمرين، الأول استعادة شعبيته المسيحية التي خسرها، والثاني تشكيل رافعة للجبهة الجديدة.
ثالثاً: لم يفاجئ اقتراح عون كثيرين بما أنه محطة جديدة في مسار العرقلة والتعطيل، ولكنه فاجأ من ظن أن تفاهم "التيار الوطني الحر" مع "حزب الله" يقتصر على البنود المعلنة فيه، ومن ظن أن لا ملحقاً سرياً له، وهكذا كشف عون المستور اذ أن ورقة التفاهم تلك لم تذكر اتفاق الطائف مطلقاً، وبعدها مباشرة جاء اقتراح ايراني قدم الى الفرنسيين بتعديل الدستور واقرار المثالثة بدلاً من المناصفة، وها هو عون راهنا يصرح بأنه يريد المس بصلاحيات رئيس الوزراء السني، ما يؤكد وجود مؤامرة مُحكمة ضد اتفاق الطائف.
رابعاً: يذكر المراقبون بأن الطرف الأقوى في المعارضة أي "حزب الله"، والذي يتلطى بعون حالياً، لم يكن يوماً مشاركاً حقيقياً في دولة الطائف، ولم يشارك في الحكومات المتعاقبة الا بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وقد عمل وزراؤه بما يخالف روحية الطائف فاعتكفوا واستقالوا مرة ثانية، عندما أراد مجلس الوزراء ممارسة عمله بالتصويت على مشروع المحكمة الدولية، اذ أن الدستور ينص على التوافق في القرارات، وخصوصاً المصيرية منها واذا تعذر ذلك يتم التصويت بأغلبية الثلثين، وهذا ما رفضه الحزب.
خامساً: فشل "حزب الله" وعون في اطالة أمد حالة الفراغ وحالة اللادولة الى ما لا نهاية، وأجبرا على التوقيع على اتفاق الدوحة نتيجة لضغوط اقليمية، وتم انتخاب رئيس للجمهورية ثم تكليف الرئيس فؤاد السنيورة، ليبدأ بعد ذلك عملية تعطيل مبرمجة لاتفاق الدوحة من خلال أمرين: الأول سياسي عبر فرض شروط تعجيزية لتشكيل الحكومة، والثاني أمني من خلال جولات التوتير المستمرة.
وبرأي المراقبين فان أكثر ما يخشاه "حزب الله" وعون في اتفاق الدوحة، هو أنه يمهد الطريق لتنفيذ اتفاق الطائف كما هو، وليس كما عملت سلطة الوصاية على تطبيقه.
واكد مصدر مطلع في قوى 14 آذار أن الأمور وصلت الى مرحلة خطيرة للغاية وخصوصاً أن محاولة نسف اتفاق الطائف، يأتي بعد أن وجه "حزب الله" ترسانته العسكرية الى الداخل، بما يعني أنه مستعد لخوض حرب أهلية تفرض واقعاً ودستوراً جديدين.