بعدما اطمأن إلى مواقف أطراف أساسيين في المعارضة
هل يعلن الرئيس سليمان حكومة الأمر الواقع؟
يبدو ان العماد ميشال عون يحاول في مواقفه التصعيدية الاخيرة، كما يرى نواب في الموالاة، ان يثبت انه كان على حق عندما طالب بتشكيل حكومة انتقالية تتولى وضع قانون جديد للانتخابات واجراء انتخابات مبكرة على اساسه بحيث يتولى مجلس النواب المنبثق منها انتخاب رئيس للجمهورية لا يكون عيب في انتخابه، لان المجلس الذي ينتخبه يكون ممثِّلا تمثيلا صحيحاً لإرادة الشعب. وظل عون متمسكا بموقفه هذا حتى آخر لحظة في لقاءات الدوحة الى ان فرضت "كلمة السر" على الجميع بوجوب انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية في اطار سلة اتفاق حددت نسب تمثيل الموالاة والمعارضة في حكومة وحدة وطنية، واعتماد القضاء دائرة انتخابية.
وكان العماد عون قبل ذلك قد دعا الى انتخاب رئيس للجمهورية بعد الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية لئلا يواجه الرئيس، وهو في مستهل عهده، ما يواجهه حاليا من صعوبات وتعقيدات في التوصل الى تشكيلها، وان يتم الاتفاق ايضا على قانون جديد للانتخابات وعلى التعيينات الامنية والعسكرية في وظائف الفئة الاولى وعلى النقاط المهمة في البيان الوزاري ولاسيما ما يتعلق منها بسلاح "حزب الله"، حتى اذا ما انتخب الرئيس تكون الطريق ممهدة امامه فلا يواجه عراقيل وصعوبات في معالجة كل هذه المواضيع.
ورغم التوصل الى اتفاق في لقاءات الدوحة على انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية وعلى تحديد نسب تمثيل الموالاة والمعارضة في حكومة وحدة وطنية، واعتماد القضاء دائرة انتخابية مع بعض الاستثناءات، فان العماد ميشال عون لا يزال غير مقتنع بما تم التوصل اليه في لقاءات الدوحة، واذا به يضع العراقيل في وجه تشكيل حكومة وحدة وطنية رغم تحديد نسب التمثيل فيها وذلك بتدخله في عملية التشكيل حتى في ما يخص حصة رئيس الجمهورية ويطلب منه ان يسمي وزيرا مسيحيا لحقيبة سيادية ووزيرا مسلما لحقيبة سيادية اخرى، لا لشيء سوى ان يضع رئيس الجمهورية في موقف حرج اذا ما اراد اختيار وزير مسلم، وهل يختاره من الطائفة الشيعية ام من الطائفة السنية، وهل يكون هذا الاختيار مقبولا من جميع الاطراف؟
وذهب في العرقلة ابعد من ذلك، بحيث اثار موضوع اعادة النظر في صلاحيات رئيس الحكومة، مع علمه ان البحث في هذا الموضوع ليس واردا في الظروف الراهنة. وان فتح باب تعديل هذه الصلاحيات يفتح باب تعديل صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس المجلس والكثير من مواد الدستور التي تحتاج الى تعديل او توضيح، وهذا يحتاج ال ظروف مؤاتية وحوار وطني هادئ.
ولم ينتظر العماد عون تشكيل حكومة وحدة وطنية كي يطلب من الرئيس بري تعيين جلسة نيابية لإقرار ما اتفق عليه في الدوحة في ما يتعلق بالدوائر الانتخابية والتصديق عليها في مجلس النواب. وبهذا يكون قد تكرس، في رأيه، أحد بنود اتفاق الدوحة ويبقى هناك بند واحد قيد الاقرار هو تأليف الحكومة. اي انه يريد ان يصادق النواب على الدوائر الانتخابية قبل تأليف الحكومة، جاهلا او متجاهلا ان لا مجال للمصادقة على ذلك مع وجود حكومة مستقيلة مهمتها تصريف الاعمال فقط، ولا بد من انتظار تشكيل حكومة جديدة يكون لها رأيها في الموضوع. فاذا كان في امكان مجلس النواب ان يجتمع ويقر مشاريع قوانين في غياب الحكومة المعتبرة غير شرعية، وغير ميثاقية، فلماذا ظلت ابواب مجلس النواب مغلقة ولم تفتح لإقرار ما لديه من مشاريع مهمة وملحة. فهل باتت الحكومة الآن شرعية بعد انتخاب رئيس الجمهورية؟ وما دامت شرعية، لماذا لم يقبل الرئيس بري تعديل المادة 49 لاتاحة انتخاب العماد سليمان رئيسا للجمهورية وفقا للاصول فلا يكون ثمة عيب فيه، لو لم يكن يعتبر الحكومة غير شرعية ولا يريد ان يمر اي تعديل بها؟
اضف الى ذلك، هل يضمن العماد ميشال عون حضور الاكثرية النيابية جلسة المجلس المخصصة لدرس الدوائر الانتخابية واقرارها قبل ان يكون قد تم تشكيل الحكومة، فلا يكتمل عندئذ النصاب؟
كل هذا يدل على ان العماد ميشال عون الذي استطاع مع حلفائه في المعارضة تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية طيلة ستة اشهر الى ان تدخلت قطر مع مجموعة دول عربية وقررت اجراء هذا الانتخاب، وهو قرار كان في امكان الزعماء اللبنانيين اتخاذه بدون حاجة الى اي خارج، لو ان بعضهم يقدم مصلحة البلاد على مصالحه الخاصة، فان العماد عون يحاول الآن بعد انتخاب الرئيس بقرار عربي ودولي ان يعطل تشكيل حكومة وحدة وطنية بافتعال العقد وطرح المطالب التعجيزية.
لذلك ترى اوساط سياسية، بعدما دخل العماد عون في شبه مواجهة سياسية مع الرئيس سليمان ان تحدد المعارضة موقفها من طروحات حليفها عون: هل هي معه في هذه الطروحات، لاسيما جبيل وكسروان؟ فاذا كانت معه فلتعلن ذلك كي يبني الرئيس سليمان على الشيء مقتضاه، واذا لم تكن معه فلتصارحه بذلك وتطلب منه الرجوع عنها تسهيلا لعملية تشكيل الحكومة. واذا كانت المعارضة راضية بحصتها من الحقائب ومن الوزراء باستثناء العماد عون لان عنده "موّالاً يغنّيه" هل تتضامن معه وتطلب من وزرائها الاستقالة اذا اعلن الرئيس حكومة الامر الواقع وجعل مجلس النواب يتحمل مسؤولية منحها الثقة او حجبها عنها؟
ثمة من يقول ان سوريا التي تعرف كيف تشتري بالجملة لتبيع بالمفرق، قد باعت عملية انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية فقبضت ثمن ذلك انفتاحا فرنسيا عليها تمهيدا لانفتاح اوروبي وقبول الدخول علنا في مفاوضات سلام مع اسرائيل، وهي تعرض الآن عملية تسهيل تشكيل الحكومة للبيع، وتنتظر الثمن، وبعد ذلك تبيع عملية تعيين موظفي الفئة الاولى لاسيما في السلكين الامني والعسكري وتنتظر قبض الثمن مع تسهيل الاتفاق على صيغة البيان الوزاري، والا تحولت الحوادث الامنية المتنقلة الى حوادث تشمل اكثر من منطقة، ما دام السلاح الخفيف والمتوسط والثقيل في ايدي فئات لبنانية يضاهي سلاح الدولة ان لم يَفُقْه، وهو ما يجعلها لا تستطيع ان تقوم سوى بدور الفصل او فكّ الاشتباك بين المتقاتلين…