"بس مات" .. الذوق
ما كنت أحسبني أعلق يوماً على برنامج تلفزيوني فكاهي خاصة وقد استهلكت هذه البرامج معظم الأفكار واللمحات، وصارت مضطرة للتوكؤ على الضحكات المسجلة حتى تغطي بقهقهاتها الكاذبة لون النكات الباهت.
يوم الخميس، الماضي، وبانتظار "كلام الناس" دهمني الجزء الأخير من "بس مات وطن"، حيث ظهر "طفل" البرنامج وهو يدلي بحديث صحافي يفاخر فيه بتملكه أربعين الف عبد من أصحاب الشهادات العليا، آلوا اليه ارثاً عن ابيه الذي علمهم فاستعبدهم عملاً بالقول المأثور "من علمني حرفاً…"، وانه بوساطة هذا الارث الثمين يدير انتخاباته في المناطق والنقابات، حيال هذا وجدت ان التورية التي يلجأ إليها صاحب البرنامج بتقطيع كلمة "بسمات" إلى "بس..مات" تفيد أن الموت قد لحق بالذوق السليم بعد أن افترس خفة الظل وملاحة القول، واللقطات اللماحة ورهافة القلب والعاطفة.
ولو لم يكن مؤلف ومخرج البرنامج ذا هوية سياسية معروفة ومعلنة، لكنت أشحت بقلمي عن تلك السقطة، أما وانه ينتمي إلى خط سياسي برتقالي واضح، فانني مضطر ان أسأله إذا كان بحلقته تلك كان يبرر الهجوم المظفر على "مؤسسة الحريري" باعتباره إعادة إنتاج لإسقاط سجن "الباستيل" ومحاولة لتحرير "اربعين الف عبد" من نير العلوم التي تلقوها، حتى يعودوا احراراً وجهلة ووقوداً لحروب الميليشيات؟! وتأسيساً على هذا فان المرء يتساءل لماذا يضمر هذا الخط السياسي أشد العداء لكل منجزات رفيق الحريري بدءاً من التعليم، مروراً ببيروت التي ما فتئ يهول بإمكانية احتراقها، ووصولاً إلى رفضه التقوقع ضمن حدود الطائفة، ألأنه بهذا يحرم "معيد الحق لأصحابه" من إمكانية التجييش واثارة النعرات، وتغليب الجملة الفضفاضة والاثارة الفارغة على مشروع بناء وطن مستقل ومتطور؟
لقد روى لي الفضل شلق، أن رفيق الحريري قد زوده بأختام التأشيرات من السفارات، حيث كان يضع بنفسه سمات الدخول على جوازات الطلاب، فهل لنا ان نسأله الآن إذا كان يستحصل من المبعوثين مقابل ذلك على صكوك عبودية يقيد بها رقابهم، أم أن وفاءهم وعلمهم، قد جعلاهم من أرقى الأحرار وصفوة الاخيار، وصكوكاً تشفع لصاحبها يوم الدينونة الكبرى؟
في الحديث الشريف: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث.. صدقة جارية أو علم ينتفع به من بعده أو ولد صالح يدعو له… ولقد جعل رفيق الحريري صدقته الجارية علوماً ينتفع بها، وجعل الصدقة ديناً في رقبة ولده الصالح الذي يدعو له أهله أن يوفقه في أن يظل أميناً على ما أؤتمن عليه.
وعلى هذا، لا بد ان نذكر المؤلف والمخرج، ان برنامجه لم يترك شخصية عامة إلا وداعبها أو انتقدها، وعلينا أن نقر ببراعة التقليد الذي يقوم به أحد المممثلين، ولكنه في يوم ما وقع في محظور التحرش بمن لا يجوز التحرش فيه، فامتلأت الشوارع وانتصب الميزان، مما اضطره تكفيراً عما اقترفت أفكاره، أن يحيي سهرات الاعتصام في مخيمات بيروت، ترويحاً عن النفوس واستحصالاً على شهادة حسن السلوك، أما في حالتنا الراهنة فهو ليس مديناً "للمورث" ولا "للوريث" بالاعتذار، بل هو مدين به لأربعين الف حر، ولعائلاتهم، لانه تجرأ ووصفهم بما ليس من صفاتهم، فهم ليسوا عبيداً ولن يكونوا، لأن أياً منهم لم يلتزم بأن يدفع عرفاناً بالجميل، ثمناً سياسياً، أو تبعية أو ارتهاناً انتخابياً.
ولا بد في النهاية أن أشير إلى أن رفيق الحريري لم يزل هدف القصف البرتقالي رغم وداعه للدنيا، لأن الدنيا تأبى أن تودع مسيرته، ولهذا فان ضريحه يظل حقل رمايتهم، وحسناته مرمى اساءاتهم، وهو لا بد له أن يدفع ثمن إزالة الحواجز بين البيروتيين، وأن يلقى قِصاصاً صارماً على جرم إحياء المدينة وجعلها قِبلة للعرب والغرب، فهم لا يريدونها كذلك، بل يرون اليها مدينة دمرتها الزلازل سبع مرات، ويحرضون فيها الفالق السياسي والاقليمي على زلزال ثامن، وفقاً لاحدى الخطب المشهورة أثناء "حرب التحرير".
لقد سألت كثيراً من المعنيين ان كانوا قد تابعوا تلك الحلقة، فكان رد معظمهم بالنفي، وهذا مؤشر لمخرج البرنامج وللقناة، على ان المتفرجين يُعرضون عن المشاهدة، عندما يفتري المشهد على الذوق السليم.
أما عن المورث، فانه يستحق بيتين من الشعر قالهما الشاعر الكبير رضوان الشهال منذ خمسين عاماً:
وأحلى الهوى أن نحب الهوى…
ونعطيه الروح من غير دين.
كما وهب النهر كنز الربيع..
وراح… ولم يسأل الضفتين…
وللوارث أقول: لك الله، فهذه "ضريبة التركات".