#adsense

عون بعد قبلان: مناورات أولية لحملة إسقاط الطائف

حجم الخط

عندما تُستهدَف صلاحيات رئيسي الجمهورية والحكومة وتنزّه صلاحيات رئيس المجلس
عون بعد قبلان: مناورات أولية لحملة إسقاط الطائف

هل يتحضّر ثنائي "حزب الله ـ التيار العوني" لاستنزاف السنة الأولى من عهد الرئيس ميشال سليمان والتعبئة للإنتخابات النيابية المقبلة تحت يافطة "اسقاط اتفاق الطائف"؟
"العترة" الخالصة لحزب الله ما زالت تتجنّب التعريض مباشرة باتفاق الطائف وبالدستور المعدّل بمقتضاه. هذا باستثناء تحذير أحد المسؤولين في الحزب، قبل أسبوعين من غزوة بيروت، من أن تنظيمه سيكون في حلّ من اتفاق الطائف ما لم يقرّ قانون انتخاب تقبله "المعارضة"، بل سيمضي وحلفاءه لوضع دستور جديد للبلاد، بقوة الأمر الواقع.

فهل يعني ذلك أنّه لا خشية من أن يتعرّض حزب الله لصيغة اتفاق الطائف، وبشكل واضح، في مرحلة ما بعد صلح الدوحة، ما دام هذا الصلح قد فصّل الدوائر الإنتخابية بالشكل الذي ترضاه "المعارضة"؟

هنا ينبغي الأخذ في الحسبان أن صيحات "الطائف قد سقط" قد صدرت من غير "قطب" أو "باب" في المعارضة كمواكبة لأولى ساعات غزوة بيروت. ولم يتأخر البعض منهم في التصريح بأن الطائف قد سقط بمجرّد أن نقل ضابط من مكان إلى آخر، وبمجرّد أن أثيرت مسألة شبكة الإتصالات السلكية التي تتبع لحزب الله.
إلا أن "حزب الله" نفس
ه وإن أفسح اعلامه الحربي المجال لكل هذه التصريحات الناعية للطائف، فإنه لم يغامر رسمياً في هذا الاتجاه. والإتفاق الذي وقعه في الدوحة كان صريح الإحالة الى مرجعية اتفاق الطائف. اقتصر اتفاق الدوحة على آليات تسوية محدّدة في ميادين بعينها، ولم يكن "طائفاً" آخر، أو بديلاً من الطائف.

مع ذلك، فإن مرحلة ما بعد اتفاق الدوحة قد شهدت أكثر من إشارة تظهر اتجاها تصاعدياً للتعريض باتفاق الطائف، وصولاً إلى استهدافه بحد ذاته. حتى الآن ثمة إشارتان لا تحتملان اللبس: دعوة نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى لاستحداث منصب نائب رئيس للجمهورية يختار من أبناء الطائفة الشيعية، ودعوة العماد ميشال عون لتقليص صلاحيات رئيس الحكومة بحجة الفصل بين مهام التنفيذ ومهام الرقابة.
تفيد هاتان الإشارتان أولاً إلى أن ثمة إدراكاً في أوساط المعارضة بأن "الثلث المعطّل وحده لا يكفي"، ولا بد من اطلاق دعوات تعطيلية استفزازية تضاف اليه.

بيد أن المشترك بين الدعوتين ـ "الإقتراحين" يتجاوز ذلك: هناك تصوّر بأن صلح الدوحة وإن لم يستطع نقض ولو جزء واحد من الصيغة الدستورية المعتمدة بعد الطائف الا أن المرحلة التالية له ستكون أكثر من سانحة لطرح أفكار ورؤى يراد منها ضرب مرجعية اتفاق الطائف، وصولاً بعد ذلك إلى جعل الانتخابات النيابية المقبلة مناسبة للاستفتاء عليه.

والمشترك بين الدعوتين العمل على "تقليص" الصلاحيات الدستورية لرئيسي الجمهورية والحكومة، مع فرض وصاية دائمة على الموقعين، هذا من دون أن تجري مقاربة الصلاحيات المعطاة لرئيس المجلس النيابي، وتلك التي كرسها رئيس المجلس لنفسه عرفاً أو تعطيلاً.
الا أن الاسترجاع السليم لكامل الحقبة الماضية، منذ قيام "الجمهورية الثانية" وحتى الآن إنما يظهر رئيس المجلس كصاحب المنصب الوحيد الذي استطاع أن يأخذ من المكنة والقدرة أكثر بكثير ما يبيحه الدستور له في حين بقيت رئاستا الجمهورية والحكومة تعاني كل منهما من عدم التمكن من بسط كل ما يعطيه الدستور لهما من صلاحيات.

فرئيس المجلس النيابي في لبنان له صلاحيات "تنفيذية" الى جانب تلك "التشريعية"، وهو بذلك المنصب الذي يستحق التفاتة "اصلاحية" من العماد عون، كون الفصل بين التنفيذ والتشريع أولى بالأهمية من الفصل بين التنفيذ والرقابة.
فإن تكن من مراجعة واجبة لصيغة اتفاق الطائف فلا بأس حينها بالخوض في صلاحيات رئاسة مجلس النواب، وفي كيفية تفعيل موقع نائب رئيس المجلس، وكيفية التشجيع على تداول هذا المنصب بدل أن يصير عملياً محجوزاً مدى الحياة. فرئيس المجلس هو الشخص الوحيد في تاريخ الكيان اللبناني منذ 1926 والى اليوم الذي مضى على رئاسته لإحدى المؤسسات الدستورية أكثر من ستة عشر عاماً بلا انقطاع (وان كانت حصة "التعطيل" منهما سنتان)، وربّما كان يستعد لستة عشر عاماً أخرى.

والحال أنه لا مصلحة لأحد بمراجعة صيغة اتفاق الطائف الآن، لكن عسى أن يعتبر أولئك الذين "استعجلوا" التعريض بهذه الصيغة بعد أسابيع قليلة من صلح الدوحة، ولأجل قطع الطريق أمام المضامين الواعدة لخطاب القسم الجديد.
لأجل ذلك، يمكن عدّ استياء البعض في المعارضة من تصريحات العماد عون، واستياء البعض الآخر قبل ذلك من اقتراحات الشيخ قبلان، بمثابة ادراك أولي لضرورة عدم الانجرار وراء مغامرة "ضرب اتفاق الطائف"، فمن يتصوّر أنّه اذا كان الطائف لا يفسح مجالاً للحل الداخلي فإن اتفاقاً بديلاً يمكنه أن ينجز ذلك فإنه واهم، هذا في أقل تقدير.

فماذا لو عدنا أدراجنا إلى اللحظة التي عاد فيها العماد ميشال عون من منفاه؟ يومها ألزم تياره بـ"نظريتين". الأولى أن "الطائف انتهى لأن ما طبّق هو القرار 1559 وقانون محاسبة سوريا". والثانية أن "الشق اللبناني من الطائف أصبح دستوراً نحترمه". لكن ما الذي حدث عملياً منذ ثلاث سنوات؟ بدل قانون محاسبة سوريا أرسى العماد عون "قانون محاسبة الشهداء" الذي يتهم مئات الآلاف من محبيهم النظام في سوريا باغتيالهم، وبدل التفاخر بالانتساب الى القرار 1559 كان الاعتزاز بورقة تفاهم مار مخايل المناقضة تماماً لهذا القرار، وبدل أن يكون ثمة احترام للشق اللبناني من الطائف، كان هذا الشق بالتحديد هو "العدو" الذي اختار العماد عون التحالف مع حزب الله لاستنزافه.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل