#adsense

الأسد يعترف: أميركا وحدها تصنع السلام

حجم الخط

الأسد يعترف: أميركا وحدها تصنع السلام
ست عقبات تعرقل الصفقة السورية – الإسرائيلية

"أكد الرئيس بشار الاسد لمسؤولين عرب التقاهم اخيرا انه عاجز عن تحقيق السلام مع اسرائيل من دون تدخل اميركي مباشر وانه توصل الى اقتناع بعد اشهر طويلة من الاتصالات والمفاوضات غير المباشرة مع الاسرائيليين عبر الوسيط التركي بانه ليس قادرا على احراز اي تقدم سلمي كبير وملموس من دون ان يتولى المسؤولون الاميركيون انفسهم احتضان هذه المفاوضات ورعايتها والمشاركة بفاعلية فيها وفي كل مراحلها". وذكر الاسد "ان ادارة الرئيس بوش رفضت التجاوب مع اقتراحات عدة في هذا الشأن قدمها اليها السوريون في اتصالات مباشرة وغير مباشرة معها".

هذا ما كشفته لنا مصادر ديبلوماسية غربية في باريس وثيقة الاطلاع على خفايا عملية التفاوض السورية – الاسرائيلية وتملك معلومات خاصة عنها حصلت عليها من المسؤولين السوريين والاتراك والاسرائيليين والاميركيين انفسهم.

واوضحت المصادر، استنادا الى هذه المعلومات الخاصة، انه "لم يحدث اي اختراق حقيقي او تقدم جدي ملموس في المفاوضات السورية – الاسرائيلية، وان الاسد لم يحصل من رئيس الحكومة الاسرائيلية ايهود اولمرت على تعهدات والتزامات واضحة ومحددة تطمئنه الى ان عملية التفاوض ستؤدي الى استعادة الجولان بالكامل في مقابل ثمن سياسي وامني معقول ومقبول، كما ان اولمرت لم يحصل على اي تعهدات او ضمانات سورية بتأمين المطالب الاسرائيلية الاساسية الامنية والحيوية المتعددة والتي من دونها لن يتخلى الاسرائيليون عن الجولان. ولم يتم التوصل حتى الآن الى اي تفاهم حقيقي حول اي من القضايا الاساسية التي تهم الطرفين السوري والاسرائيلي، سواء ما يتعلق بالانسحاب الاسرائيلي من الجولان او بالجدول الزمني للانسحاب، او بالترتيبات الامنية، او بالمياه، او بالتطبيع، او بمصير علاقات نظام الاسد مع ايران و"حزب الله" و"حماس" كما ان الطرفين لم يصلا الى مرحلة الاتفاق على اعلان مشترك يحدد المبادئ العامة لاي معاهدة سلام بينهما. وتجري هذه المفاوضات في اجواء من انعدام الثقة بين القيادتين السورية والاسرائيلية، اذ ان الاسد ليس واثقا اطلاقا من ان اولمرت راغب في تأمين المطالب والحقوق السورية الاساسية في مقابل انهاء النزاع سلميا بين البلدين، او انه قادر فعلا على ذلك، كما ان اولمرت ليس واثقا من ان الرئيس السوري يريد فعلا السلام الحقيقي مع اسرائيل وانه مستعد لان يدفع ثمن هذا السلام تنازلات جوهرية في شأن قضايا ثنائية واقليمية".

وشددت هذه المصادر على ان التوصل الى اتفاق سلام سوري – اسرائيلي يحتاج الى "معجزة حقيقية" اذ ان عقبات اساسية وجوهرية تمنع حدوث اي اختراق سلمي جدي بين هذين البلدين في مستقبل منظور، وهذه العقبات هي الآتية:

اولا، الزعيمان الاسرائيليان اللذان صنعا السلام مع مصر والاردن وحققا تقدما سلميا تاريخيا مع الفلسطينيين كانا قويين ويحظيان بدعم شعبي واسع: الاول مناحيم بيغن الذي وقّع معاهدة السلام مع مصر واعاد سيناء اليها، والثاني اسحق رابين الذي وقّع معاهدة السلام مع الاردن واتفاق اوسلو مع الفلسطينيين. اما اليوم فليس ثمة زعيم اسرائيلي قوي، سواء أكان اولمرت ام ايهود باراك او تسيبي ليفني، قادر على اقناع الغالبية من الاسرائيليين ان مصلحتهم اعادة الجولان الى سوريا وترحيل 20 الف مستوطن اسرائيلي عن هذه المنطقة، من دون ان يحصل هذا الزعيم على تنازلات كبيرة من السوريين تشمل خصوصا التخلي عن المطالبة بالانسحاب الاسرائيلي الى حدود 4 حزيران 1967 والموافقة على ان تكون بحيرة طبريا خاضعة بالكامل للسيادة الاسرائيلية وتقديم ضمانات امنية جوهرية لطمأنة الاسرائيليين وتطبيع العلاقات في مختلف المجالات وانهاء تحالف سوريا الوثيق مع ايران ووقف كل انواع الدعم لـ"حزب الله" و"حماس" وسائر التنظيمات المتشددة. ووفقا لما قاله ديبلوماسي اوروبي مطلع: "بقدر ما يكون رئيس الحكومة الاسرائيلية ضعيفا بقدر ما يحتاج الى الحصول من سوريا على تنازلات مهمة واساسية لكي يقنع الاسرائيليين بالتخلي عن الجولان المحتل".

إضعاف النظامين السوري والإيراني

ثانيا، اسرائيل ليست مضطرة الى اعادة الجولان الى سوريا لان هذه الجبهة خالية منذ عام 1974 من اي نشاطات عسكرية او فدائية، ولم تشهد او تشهد حاليا انتفاضة شعبية ضد الاحتلال. ولم تكن اسرائيل هي التي طلبت اساسا التفاوض مع سوريا بل ان الاسد هو الذي طلب ذلك عبر المسؤولين الاتراك ومنذ مطلع 2004 فرفض ارييل شارون الاستجابة آنذاك لطلبه لكن اولمرت تجاوب مع هذه الرغبة السلمية نتيجة إلحاح الاتراك مراهنا على انه سيحقق انجازا ديبلوماسيا كبيرا اذا ما استطاع انتزاع تنازلات مهمة من القيادة السورية. لكن هذا ليس واردا في حسابات الاسد.
ثالثا، اسرائيل تريد، عبر عملية التفاوض هذه، تحقيق هدفين كبيرين هما: تقليص دور نظام الاسد الاقليمي من خلال دفعه الى انهاء تحالفه الامني والاستراتيجي الوثيق مع ايران ووقف دعمه لـ"حزب الله" و"حماس" والتنظيمات الفلسطينية المتشددة الاخرى، واضعاف النظام الايراني من خلال اغلاق "الجسر السوري" الذي يسمح للايرانيين بتوسيع نطاق نفوذهم الى لبنان وفلسطين وتعزيز قدراتهم على فرض هيمنتهم على المنطقة وتأمين نوع من الحماية لمساعيهم الهادفة الى تمكينهم من امتلاك السلاح النووي. واذا لم يتمكن الاسرائيليون من تحقيق هذين الهدفين فليست لديهم اي مصلحة في التخلي عن الجولان كموقع استراتيجي مهم وكمصدر اساسي للمياه وكمنطقة سياحية وزراعية رئيسية وكمركز للاستيطان. في المقابل فان الاسد يريد ان يعقد مع اسرائيل اتفاق السلام الذي يعزز موقعه داخليا وعربيا ودوليا وليس اتفاقا يضعفه ويقلص نفوذه وهو لذلك يتمسك بضرورة الانسحاب الاسرائيلي من الجولان الى حدود 4 حزيران وبالوصول الى الضفة الشرقية الشمالية لبحيرة طبريا مما يسمح للسوريين بالحصول على حصة من مياهها، كما انه يرفض جدولا زمنيا طويلا للانسحاب الاسرائيلي من الجولان، كما يرفض احداث تحول جذري في علاقاته مع ايران وحلفائه الآخرين، ويرفض ترتيبات امنية تخل بموازين القوى لمصلحة اسرائيل، ويرفض تطبيعا حارا للعلاقات بين البلدين في اطار معاهدة السلام.
رابعا، النظام السوري يتفاوض مع الاسرائيليين حاليا من موقع ضعف وليس من موقع قوة كما كانت الحال في عهد الرئيس الراحل حافظ الاسد.
فنظام بشار الاسد مهدد بنتائج التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه أما بقرارات المحكمة الدولية. أما علاقاته مع الدول العربية والغربية البارزة والمؤثرة فمتوترة، وهو لم يعد حاكم لبنان كما كانت الحال في عهد الهيمنة على هذا البلد وليس ثمة دعم عربي او اميركي او غربي فعلي له في "مواجهته" التفاوضية مع اسرائيل. وهذا الواقع الصعب هو ما "يغري" حكومة اولمرت ويدفعها الى الانخراط في عملية تفاوضية مع السوريين من اجل محاولة انتزاع تنازلات جوهرية منهم وليس تأمين انتصار استراتيجي للاسد. ووفقا لديبلوماسي اوروبي مطلع فان ضعف النظام السوري لن يدفعه الى التجاوب مع المطالب الاسرائيلية المتشددة لانه ليس راغبا في عقد صفقة خاسرة مع عدوه اذ ان مثل هذه الصفقة ستزيد من ضعفه ويمكنها ان تشكل تهديدا له".

الدور الأميركي

خامسا، مشاركة الادارة الاميركية في المفاوضات اساسية لانجاز اتفاق سلام بين سوريا واسرائيل يكون متوازنا ومقبولا من نظام الاسد، لان الاميركيين هم القادرون وحدهم، نتيجة علاقاتهم الوثيقة باسرائيل وثقلهم وامكاناتهم، على التدخل المباشر في عملية التفاوض وطرح الاقتراحات التوفيقية المختلفة لتحقيق التقارب بين الطرفين، ثم تقديم الضمانات الامنية والسياسية والمساعدات المالية الضرورية لتأمين نجاح استمرار اي اتفاق. ولولا الدور الاميركي لما تم توقيع اتفاق فك الارتباط بين سوريا واسرائيل عام 1974 الذي ادى الى اغلاق جبهة الجولان امام اي نشاطات عسكرية او فدائية. ولولا المشاركة الاميركية الفعالة لما جرت في عهد الرئيس السابق بيل كلينتون وعلى مدى سنوات، مفاوضات مباشرة وغير مباشرة بين سوريا واسرائيل كادت ان تؤدي عام 2000 الى توقيع اتفاق سلام بين البلدين، لكن الخلاف حول موقع الحدود ومياه طبريا حال دون ذلك. وهذا الواقع هو ما يجعل نظام الاسد يطالب الاميركيين بالمشاركة في المفاوضات لتأمين نجاحها. كما ان الاسد يريد في الاساس استغلال انفتاحه السلمي على اسرائيل لتحسين علاقاته مع الولايات المتحدة ومحاولة تسوية خلافاته معها. لكن ادارة بوش ترفض كليا المشاركة في هذه المفاوضات من جهة لانها تعطي الاولوية لمحاولة تسوية النزاع الفلسطيني – الاسرائيلي على مراحل، ومن جهة ثانية لانها على اقتناع بان الاسد ليس راغبا فعلا في السلام مع اسرائيل وتلبية طلباتها الاساسية بل انه يريد اساسا عقد صفقة مع واشنطن لحماية نظامه من المحكمة الدولية. ووفقا لما اكدته لنا مصادر ديبلوماسية غربية مطلعة "فان ادارة بوش لن تقدم اي هدية او مساعدة الى نظام الاسد بسبب سياساته الخطرة في لبنان وفلسطين والعراق وتحالفه الوثيق مع ايران، مما يعني ان على الرئيس السوري انتظار وصول الرئيس الاميركي الجديد الى البيت الابيض مطلع سنة 2009. وليس واضحا كيف سيتعامل الرئيس الاميركي الجديد مع الملف السوري – الاسرائيلي، وما هي اولوياته، كما انه ليس واضحا من سيحكم اسرائيل حينذاك".

سادسا، استنادا الى المعلومات الخاصة التي حصلت عليها هذه المصادر الغربية المطلعة فان الحكومة الاسرائيلية هي اليوم، لأسباب داخلية واقليمية ودولية، اكثر تشددا في تفاوضها مع السوريين مما كانت الحال في عهد حكومات رابين وبيريتس وباراك، سواء في ما يتعلق بالقضايا ذات الطابع الثنائي او في ما يتعلق بتحالفات نظام الاسد الاقليمية. فمن جهة، فشل نظام الاسد في محاولاته استخدام ما قام به "حزب الله" خلال حرب صيف 2006 وما قامت به "حماس" بعد سيطرتها على غزة من اجل دفع الحكومة الاسرائيلية الى التفاوض معه بطريقة تؤدي الى تلبية مطالبه الاساسية وابرزها تأمين الانسحاب الاسرائيلي من الجولان الى حدود 4 حزيران 1976. ومن جهة اخرى فان المسؤولين الاسرائيليين يدركون تماما ان النظام السوري ليس قادرا على استعادة الجولان بالقوة المسلحة او راغبا في ذلك، اذ ان الخيار العسكري مستبعد كليا ومنذ عهد الرئيس حافظ الاسد نتيجة اختلال موازين القوى ولان اي حرب ستؤدي الى إلحاق دمار واسع بمناطق ومواقع ومنشآت سورية عدة مما يشكل تهديدا لهذا النظام. وهذه نقطة ضعف يحاول الاسرائيليون استغلالها الى اقصى حد.

هذه العقبات الاساسية تمنع حدوث اي اختراق او تقدم مهم وجدي في المفاوضات السورية – الاسرائيلية في مستقبل منظور، خلافا لما يردده البعض هنا وهناك.
ووفقا لما قاله لنا ديبلوماسي اوروبي بارز: "ان مجرد معاودة المفاوضات مع اسرائيل ليس انتصارا ديبلوماسيا للاسد ولن يبدل بشكل جذري واساسي طبيعة علاقاته مع الدول الغربية البارزة والمؤثرة او مع الدول العربية الرئيسية. وفي اي حال فان اي انفتاح غربي على نظام الاسد سيكون جزئيا ومحدودا ومشروطا بحدوث تغييرات اساسية في مواقفه حيال لبنان وفلسطين والعراق وقضايا المنطقة عموما، كما ان مثل هذا الانفتاح، في حال حدوثه، سيكون مؤقتا في انتظار اعلان نتائج التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وبدء عملية محاسبة المتورطين في هذه الجريمة الارهابية امام المحكمة الدولية".

المصدر:
النهار

خبر عاجل