الرسول المتجوّل
اسس الراهب المتجول مجموعة من المدارس في لبنان، وفي جولاته التفقدية عليها كان الكهنة يتسابقون للحصول على خدماته. كما وصف بالواعظ الحكيم الذي يمشي في الليل اكثر من النهار ليلحق باكرا بالمراكز المقصودة، ويحمل حقيبة على كتفه فتركت مع الزمن اثرا داكنا على كتفه. وكان يقطع مسافاته كلها وهو يصلي ويحضّر عظاته بإتقان وهو يتأملها في عتمة الليل امام القربان ورأسه بين يديه.
ونظرا لشهرته وثمار مواعظه، طلبه الكهنة من خارج لبنان فلبى الدعوة من دون تردد لاسيما الى تركيا وبغداد والقدس والاردن. ومع اندلاع الحرب العالمية الاولى، عنيّ الاب يعقوب بإنشاء المياتم لإنقاذ المشردين الى جانب تأمين الاعاشة للجياع. وبعد ان فرغ من تقديم المساعدات والاسعافات عاد الى نشاطاته السابقة، واخذ يعمل لتحقيق مشروع قديم راوده وهو مبتدئ في غزير، بأن يرفع صليبا جبارا على احدى قمم جبال لبنان. واخذ يفتش عن المكان المناسب، فوقع اختياره على قطعة ارض في جل الديب، فاشتراها وسماها "تلة الصليب".
وبدأ يستقبل في الدير كهنة عجزة اضافة الى الذين فقدوا رشدهم، واوصى الراهبات قائلا: "اياكم رفض كاهن يقرع باب ديرنا، واذا لم تتيسر له غرفة، اعطوه غرفتي، فالكاهن هو المسيح على الارض ويلزم احترامه وتكريمه".
وبعد ان اظهرت الراهبات الفرنسيسكان اندفاعا منقطع النظير لخدمة الكهنة، سرعان ما تبيّن للأب يعقوب ان توسيع المشروع يقتضي عددا اكبر من الايادي التي تعمل، مما جعله يسأل: "لماذا لا اؤسس جمعية لبنانية تمتاز بالمزايا اللبنانية وبروحانية الاب فرنسيس ورهبانية الكبوشية؟". وبعد فترة وجيزة انضمت اليه بنات طيبات كنّ النواة الاولى للرهبانية الجديدة. وفي 16 شباط 1932، تركت الراهبات الفرنسيسكانيات دير الصليب، واصبحت "جمعية راهبات الصليب" مستقلة تدير نفسها بنفسها، وتؤسس مشروعا تلو الآخر.
وما ان انتهى الاب المؤسس من بناء مزار سيدة البحر في جل الديب، باشر بتحقيق مشروع مماثل في بلدة دير القمر، وبيت للمتسولين، وبيت العناية الالهية في حي الجميزة، وكنيسة الجلجلة… الى ان تمكن من تحويل دير الصليب الى مستشفى للأمراض العقلية والنفسية، وكان يقول دوما: "الله هو الذي اسس الجمعية، ويعرف ان يدبر لها حاجاتها". واستمر في الاعمال الخيرية، فأسس مشروعا للبرص، وآبارا لتخزين مياه سيدة البئر بالقرب من دير الصليب، اضافة الى تنظيم مياه برمانا…
والى جانب مشاريعه كافة، كان لا همّ للأب يعقوب سوى بناته، وكان يردد دائما: "اريدكنّ زينة لبنان، زينة لكل الرهبانيات، اريدكنّ كاملات فافرح بكنّ… احبوا يسوع، وحبوا بعضكن… طالما انتن على اتفاق لا احد يقدر عليكن. اريد ان تضحي كل واحدة بحياتها في سبيل اختها… اريدكن قديسات".