Site icon Lebanese Forces Official Website

هل يتحوّل مخيم عين الحلوة إلى “بارد” آخر؟

هل يتحوّل مخيم عين الحلوة إلى "بارد" آخر؟! 

ليس ثمة ما يمنع تلك الجهة المخابراتية التي تسببت بمأساة نهر البارد أن تعيد الكرة في مخيم عين الحلوة. في الأساس فإن الإربكات في الساحة السنية التي يمثل غالبيتها النائب سعد الحريري هدف بحد ذاته، فكيف إذا صحت "الإشاعات" التي تقول إن "عصبة الأنصار" الفصيل الإسلامي الأساس في عين الحلوة، كان قد هدد "حزب الله" بعدم البقاء متفرجاً و"اضطراره للتدخل لنصرة أهل السنة"، إذا استمرت استباحة الحزب لصيدا، إبان الأحداث التي انطلقت في السابع من أيار الماضي؟.

الجهة المخابراتية نفسها ومن ينسق معها في الداخل عندهم من "الإسلاميين" المغرر بهم في المخيم ما يكفي لفتح معركة مع الجيش اللبناني، إذ يمكن للمعركة أن تبدأ بمجموعة مخترقة، قبل أن تجر إلى أتونها باقي الإسلاميين فالمزيد من الفصائل الفلسطينية، لتكون النتيجة مأساة جديدة على غرار نهر البارد، ولكن بحجم أكبر بكثير، إذ إن مخيم عين الحلوة يضم قرابة مئة ألف ساكن فيهم مختلف التنظيمات المسلحة.

وإذا صح هذا التحليل فتكون الأحداث المريبة التي تجري في عين الحلوة بمثابة رسالة إنذار للنائب سعد الحريري، تحمل مضامين مختلفة، من بينها وجوب ابتعاده عن الإسلاميين، تماماً كما كانت "الرسالة الصاروخية" على تلفزيون المستقبل، التي وجهت لوالده الشهيد، عندما جمع المشايخ والمفتين في قريطم، على اعتبار أن الإسلاميين السنة، إما أن يكونوا عامل تفجير، يستفاد من ترويضهم أو إطلاق يدهم وفقاً للمصالح السياسية، أو يكونوا معادين على طول الخط للزعامة السياسية للطائفة من أجل إضعافها أو ممارسة الابتزاز عليها من قبل من يجيد اللعب على التناقضات والشعارات.
الرسالة لا تستثني الجيش أيضاً، وكأنها تحذير له من أن يتعدى دوره عمل جهاز "الدفاع المدني" على أبعد تقدير، وإلا أُغرق في حرب يصعب تأمين التغطية اللازمة لها هذه المرة، أقله على مستوى جمهور السنّة في لبنان بعد الذي أصابهم.

بين نهر البارد وعين الحلوة

ثمة ترابط بين مخيمي نهر البارد وعين الحلوة. كثيرون ممن وفدوا على نهر البارد من قبل، كانوا قد مروا أو استقروا في عين الحلوة. وقد تمكن بعض الفارين من مخيم نهر البارد غداة "الهروب الكبير" في 2/9/2007 من اللجوء أو العودة إلى مخيم عين الحلوة.

وكرسالة واضحة على إمكانية تحويل مخيم عين الحلوة إلى باردٍ ثانٍ، فقد تحركت جبهة عين الحلوة أثناء اشتداد المعارك في نهر البارد، من خلال اعتداء مجموعات متعاطفة مع "فتح ـ الإسلام" بهدف التخفيف عنها. وقد استمرت المعركة لساعات وأسفرت عن أربعة قتلى، بينهم اثنان للجيش اللبناني، وعدد آخر من الجرحى، وتضرر عدد من المنازل والمحال التجارية والسيارات والبنية التحتية، ونزحت مئات العائلات عن المنطقة. إقفال الجبهة جاء يومها حصيلة جهد مكثف واتصالات قامت بها الفعاليات الصيداوية مع القوى الإسلامية المؤثرة داخل المخيم.

الفترة التي تلت أحداث نهر البارد شهدت ضخاً لعدد من المسلحين "الجهاديين" باتجاه عين الحلوة، ممن يعلن أنه يريد قتال الأميركيين في العراق، و"اليونيفيل" في الجنوب اللبناني، (تماماً كما كان مقاتلو "فتح ـ الإسلام" يعلنون قبل القضاء عليهم في نهر البارد)، وقد اتخذ هؤلاء من عين الحلوة قاعدة انطلاق لهم. التشابه واضح والدور المخابراتي نفسه أيضاً.

نذر المأساة في نهر البارد كانت قد بدأت باحتكاكات مع الجيش اللبناني إلى أن وقع الاشتباك مع قوى الأمن الداخلي في طرابلس في 20/5/2007، فالهجوم الإجرامي على الجيش في نهر البارد والقلمون، ما أدى إلى استشهاد 27 ضابطاً وجندياً للجيش اللبناني، فاندلعت الحرب ولم تنته إلا بتدمير المخيم عن بكرة أبيه وتشريد أهله، واستشهاد 154 ضابطاً وجندياً من الجيش اللبناني، وإصابة مئات آخرين، إضافة إلى مئات من الضحايا من المقاتلين والمدنيين.

النذر نفسها تتكرر في عين الحلوة، فيوم السبت في 31 أيار الماضي، حاول أحد الفارين من مخيم نهر البارد إلى مخيم عين الحلوة، المدعو خالد علي سليمان بن ليث الصيعري ـ سعودي الجنسية، الخروج من المخيم بوثائق مزيفة، وهو مزنر بحزام ناسف. لم يسعفه الحظ فاكتشف أمره وأردي فوراً. التقديرات اختلفت حول وجهته بين من يقول إنه أراد تفجير نفسه في تجمع شيعي انتقاماً لما اصاب أهل السنة في لبنان في الثامن من أيار، ومن يقول إنه كان يريد مغادرة لبنان، وأن الحزام الناسف كان بهدف تحاشي الأسر من خلال تفجير النفس بـ"العدو"، وهناك من يشكك برواية الحزام الناسف من أساسها. بعد نحو أسبوع من الحادث حاول مجهولون اغتيال أحد العناصر المقربة من "عصبة الأنصار"، لكنه نجا بعدما أصيب بجروح متوسطة. بعد 48 ساعة من الحادث فتح مجهولون النار على حاجز للجيش اللبناني بالتزامن مع تسجيل صوتي منسوب لشاكر العبسي يتوعد فيه الجيش. الحصيلة كانت إصابة عسكريين بينهما ضابط، ومقتل أحد المهاجمين، وجرح آخر. ومنتصف ليل الخميس الماضي (19/1) وقع إشكال بين حركة "فتح" ومنظمة "جند الشام" المنحلة دون وقوع إصابات. وسط هذه الأحداث ما يزال الأهالي القاطنون في منطقة التعمير وجوارها تحت تأثير الإشاعات التي تطلق بين الحين والآخر، ما يضطرهم للنزوح والمبيت بالعراء.

خوف مشروع ووعي مطمئن

ما يجري في المخيم غير بعيد عن مناخ يوحي باقتراب الغيوم السوداء، ففي الأول من حزيران وقع انفجار في مركز لمخابرات الجيش اللبناني في بلدة العبدة في الشمال، وفي اليوم التالي ظهر بيان منسوب لـ"فتح ـ الإسلام" يتبنى العملية، وبعده بيوم واحد ظهر بيان آخر للتنظيم نفسه يعتبر البيان الأول "كذباً وافتراءً علينا". كما عثر الجيش على طريق القليعات لاحقاً على عبوتين من النوع نفسه الذي انفجر في مركز المخابرات في العبدة. ترافق ذلك مع تسجيل صوتي لشاكر العبسي تحدث فيه عن "خيانة زعماء السنّة في لبنان"، وعن شن "حزب الله حرباً مذهبية" وأن "وقت المفاصلة قد حان". ولم يُعرف على وجه اليقين صحة التسجيل المنسوب للعبسي المعتبر ميتاً لدى أهله وعارفيه، وحيّاً لدى الأجهزة الحكومية اللبنانية، بعدما جاءت نتائج الحمض النووي المأخوذ من الجثة المشتبه أنها للعبسي سلبية.

ما يطمئن اليوم أن الكلّ مدرك لخطورة ما يجري، إذ يكفي أن يرتكب "متحمسون أغبياء" أو "مندسون خبثاء" حماقة انطلاقاً من المخيم ضد الجيش أو اليونيفيل أو أية جهة أخرى، ثم يرفضون تسليم أنفسهم أو يتوفر من يتعاطف معهم حتى تقع الكارثة.

ثمة وعي حقيقي اليوم لدى معظم القوى الفلسطينية واللبنانية بمختلف تشكيلاتها لهذا السيناريو الخطير. ورغم ريبة بعد الأطراف في عين الحلوة من بعضها، أو من مخابرات الجيش، فإنها تتعاون على نحو مرضٍ لمحاصرة ما يسمى بـ"الغرباء" في المخيم. يقول قائد الكفاح المسلح في لبنان العميد منير المقدح: "لن نسمح بتكرار تجربة نهر البارد، فالكل متفق على أن مصلحة شعبنا الفلسطيني وأمنه في المخيمات فوق أي اعتبار، رغم محاولات جهات محلية وإقليمية إدخال الفلسطينيين في التجاذبات اللبنانية".

لجنة الطوارئ الفلسطينية المؤلفة من أطر منظمة التحرير وقوى التحالف المعارضة لها والقوى الاسلامية، قدمت حلولاً منها مباشرة مسح سكاني واسع داخل المخيم، وتنفيذ انتشار قوة أمنية فاصلة بين المخيم وحواجز الجيش على مداخله الغربية. وقد قدمت مديرية المخابرات في الجيش اللبناني إلى هذه اللجنة كماً كبيراً من المعلومات حول وجود مطلوبين و"غرباء" من جنسيات عربية مختلفة، لكن تبين لاحقاً أن المسح السكاني ليس عملية بسيطة في الواقع الراهن للمخيم، وأن الحل الوحيد المتاح حالياً هو انتشار قوة أمنية عمودها الفقري "عصبة الأنصار".

في الجانب اللبناني لم تتوقف اجتماعات واتصالات نائب صيدا بهية الحريري مع القوى الفلسطينية، ولا سيما مع ممثل منظمة التحرير عباس زكي، على أساس احتواء "خطر التلاعب بالورقة الفلسطينية انطلاقاً من عين الحلوة". بدورها كثـّفت "الجماعة الإسلامية" من اتصالاتها وزياراتها للمخيم لمعالجة الموقف، فيما ربط مسؤولها السياسي في الجنوب بسام حمود بين الوضع المتفجر في عين الحلوة واتفاق الدوحة "وكأن هنالك من يقول ممنوع الاستقرار في لبنان".

وحده نائب صيدا ـ حليف "حزب الله" ـ أسامة سعد يعزف على لحن مختلف، إذ إن المشكلة من وجهة نظره أن "حكومة السنيورة مدعومة من أطراف وأجهزة استخبارية عربية ودولية تصر على تطبيق القرار 1559 على الفلسطينيين وجعل المخيمات منزوعة السلاح، حتى لو أدى ذلك إلى تعميم القتل والخراب والدمار على الشعبين اللبناني والفسلطيني"، أما الحل برأيه فهو بـ"الخروج من حالة المراوحة والزيارات الفولوكلورية العقيمة إلى حالة متقدمة تسعى لتنظيم العلاقات اللبنانية ـ الفلسطينية على أسس سياسية ونضالية سليمة". والخطورة في هذا التوصيف أنه يقدم صك براءة مسبق للجهة الحقيقية التي تعبث بأمن المخيم وعاصمة الجنوب والوطن عموماً، فضلاً عن تضمّن الحل المقترح من قبله ابتزازاً سياسياً يهدف إلى جر الساحة الفلسطينية إلى ما يعتبره أسامة سعد أسساً نضالية سليمة.

ليس مهماً كثيراً ما يقوله النائب أسامة سعد وأمثاله، فقد بات دورهم مكشوفاً. المهم الآن هو الانتباه والهدوء لتفويت خطر فتح جرح جديد الله وحده يعلم كيف ينتهي.

Exit mobile version