"الحل" يعرفه ذووه!
سمير منصور
ثمة لغط على حقيقة العقبات التي تعترض تشكيل الحكومة الجديدة، بين إصرار رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون على ما يسمى "حقيبة سيادية" لكتلته النيابية، وهذا من حقه، وبين ما لم يعد سراً وهو رفضه اعطاء حقيبة الدفاع للوزير الياس المر. وهنا يصبح السؤال بديهياً: هل تخلّي الرئيس ميشال سليمان عن اعطاء وزارة الدفاع لالياس المر تحل العقدة الحكومية؟ وما هي حقيقة الموقف: الحقيبة السيادية ام اقصاء الياس المر عن الدفاع؟
وثمة سؤال آخر: هل "يستكثر" عون على الرئيس التوافقي للجمهورية تسمية وزيري الدفاع والداخلية وهما "عدة الشغل" الأهم للعهد الجديد في الظرف الراهن وفي حكومة ستكون انتقالية للاشراف على الانتخابات النيابية الآتية بعد أشهر؟
واذا كانت المشكلة تكمن في آل المر، فلماذا لم يكن التعامل معهم "حراما" عندما "ركب" الحلف الانتخابي بينهم وبين عون في الانتخابات العامة عام 2005 وفي الانتخاب الفرعي في المتن اثر اغتيال الوزير الشاب بيار امين الجميل؟
وإذا كانت هناك مشكلة لعون مع آل المر، فهل يعقل ان تتحول مشكلة عامة تمنع ولادة الحكومة الاولى في عهد الرئيس ميشال سليمان؟ ثم هل هي مشكلة عون شخصياً، ام مشكلة للمعارضة ككل وقد وضعت "الجنرال" مرة جديدة في "بوز المدفع" وكلفته التصدي؟
مثل هذه التساؤلات تبدو ساذجة عندما يقال ان المشكلة ظاهرياً هنا، لكنها باطنياً وفي الواقع، تكمن في مكان آخر.
وهذه التساؤلات ليست على الاطلاق دفاعاً عن الياس المر، بل عن مواطن يريد ان يعيش في وطن لا يكون فيه تشكيل الحكومة من العقد المستعصية، وعن عهد رئاسي جديد من أبسط حقوقه التعاون معه، من الجميع في الموالاة والمعارضة، وقد كانوا ولا يزالون يكيلون له المديح ويتمنون له التوفيق ويريدون "افضل العلاقات معه"، ويفترض ان يكون له الحد الادنى من حرية الحركة أقله في تحديد انطلاقته.
ومن الضروري "تشخيص" المشكلة، وهي في اللحظة السياسية الراهنة تبدو عند المعارضة. فإذا كانت في ايجاد حقيبة سيادية لكتلة عون النيابية، فان وزارة العدل او الاتصالات وفق تصنيف احد اطراف المعارضة الاساسيين رئيس مجلس النواب نبيه بري وآخرين غيره هما "حقيبتان سياديتان"، وهكذا يمكن توزعهما بين الموالاة والمعارضة، وتحل عقدة "النقص" في الحقائب السيادية". ولا تعود المعارضة محرجة امام احد اطرافها الاساسيين، وهو النائب عون في التنازل له عن حصتها "السيادية"، وقد "حجزت" المعارضة بشقها الآخر "حزب الله" وحركة "امل"، حقيبة الخارجية.
وإذا كانت المشكلة تكمن في شخص الرئيس المكلف تشكيل الحكومة فؤاد السنيورة، فمن واجب المعارضة اعلان موقفها جهاراً ومباشرة، لا مواربة عبر افتعال العقبات والعراقيل للاحراج فالاخراج ودفعه الى الاعتذار عن عدم متابعة مهمته، وساعتئذ قد يتم التوافق على اللجوء الى حل آخر، حكومة حيادية مثلاً لا تضم مرشحين للانتخابات النيابية، وتجربة الرئيس نجيب ميقاتي عام 2005 لا تزال ماثلة امام الجميع، وقد كانت في حينه ناجحة.
واذا لم تفعل المعارضة، فستفسح في المجال امام "التصديق" ان المشكلة لا تكمن في عقدة الحقيبة السيادية لعون، بل في مكان آخر، في الانتخابات النيابية المقبلة في جبيل وكسروان والمتن مثلا، او ربما في مكان أبعد من الحدود السياسية المحلية، اذ قد يكون الظرف الاقليمي لم ينضج بعد، للسماح بقيام حكومة في لبنان!
وإذا فعلتها المعارضة وأعلنت موقفها الحقيقي صراحة، فانها تضع الاكثرية النيابية أمام مسؤولية ستترتب عليها، وهي التعاون معها لايجاد حل يرضي الجميع ويتيح تشكيل الحكومة، وهذا ابسط حقوق الناس على الطبقة السياسية المختصرة بعدد من الاشخاص يتحكمون في المفاصل الاساسية للبلاد والعباد، بل هذا من ابسط حقوق "العهد التوافقي" على هذه الطبقة التي توافقت على انتخابه، ويخشى ان تكون لاحقاً قد توافقت "عليه"!
وأما الاستمرار في المراوحة تحت شعار "الزعل" و"الحرد" والمحاصصة وتصنيف الوزارات بين "بريمو" و"ترسو"، فاقل ما يقال فيه انه ترف غير مبرر واستخفاف بعقول الناس.
ولعل من حظ اللبنانيين ان اتفاق الدوحة الذي ابرم في العاصمة القطرية بتوافق عربي – اقليمي – دولي، حدد الحصص الوزارية بالعدد. ويبدو ان المطلوب توافق آخر مماثل، يحدد الحصص الوزارية ليس بالعدد فقط، بل بتصنيفها وتوزيعها على "الفائزين" بالاسم.
وأما إذا وصلت الأمور الى طريق مسدود، لا سمح الله، فقد يتم اللجوء إلى حلول "الزامية" من نوع آخر، وقد تم اعتمادها في بعض الليالي الطويلة في الدوحة عندما تعقدت الأمور… و"الحل" يعرفه ذووه!