المواقف الأخيرة لـ"حزب الله" تثير مخاوف من المسار الجاري حتى الانتخابات
التصعيد بعد نيل الثلث المعطّل يتجاوز الخلاف على الحقائب
أدرج مراقبون سياسيون وزوار ديبلوماسيون إقدام "حزب الله" على اجتياح بيروت والجبل في اطار السعي الى اخذ مكانه في المعادلة الداخلية في مواجهة ما يحصل في المنطقة بالتوازي مع توجيه رسائل قوية الى افرقاء الداخل فحواها انه يتمتع بالقوة التي لا تسمح لهؤلاء بان يوظفوا التطورات الاقليمية في خانة النيل منه. ولكن في الوقت نفسه يواجه الحزب ارباكا نتيجة التطورات ان في العراق بعد دخول مدينة الصدر ثم العمارة والاتفاق الامني بين النظام العراقي الشيعي الجديد والولايات المتحدة الاميركية بما قد يمهد لتحويل العراق مركزا للقواعد العسكرية الاميركية لمدة طويلة وإن في المفاوضات السورية الاسرائيلية المتقدمة بقوة برعاية تركية والتي تنتظر وفق ما اعلن الرئيس السوري بشار الاسد الرعاية الاميركية.
ويعتقد هؤلاء ان الرئيس السوري صادق في ذلك لانه ينوي تقديم ملف السلام مع اسرائيل على ملف المحكمة الدولية وقرارها الظني. وحين يقول وزير الخارجية السوري وليد المعلم ان اتفاق الدوحة للتسوية في لبنان والتهدئة بين "حماس" والسلطة الفلسطينية هما من ضمن السلة المتكاملة الاقليمية، فانما يثير المخاوف غير المعلنة من استعدادات لاثمان، وإن قالت سوريا بعد تسليم الاوراق التي تملك في لبنان او في فلسطين او سواهما.
ولذلك رسم التصعيد في مواقف مسؤولين في "حزب الله" في اليومين الاخيرين علامات استفهام حول الاسباب الحقيقية لهذا الموقف الذي لا يعتقد انه مرتبط بالحكومة ما دامت المعارضة تعرقل حتى اليوم تأليفها. فالشروط التي تكررت على لسان احد المسؤولين في الحزب والمتعلقة بتحديد نسبة الوطنية لدى تعيين كل مسؤول امني بدت مستغربة بعد اتفاق الدوحة، وان كان كل ما قيل يندرج في اطار الخطاب الشهير في تشرين الثاني 2007 للامين العام للحزب السيد حسن نصرالله. ففي ذلك الوقت لم تكن المعارضة قد حصلت على الثلث المعطل في الحكومة، في حين ان الشروط الراهنة والمعطوفة على لهجة تهديدية لا تبدو مفهومة باعتبار ان التعيينات في المراكز المهمة تمر حكما بمجلس الوزراء حيث يمكن المعارضة ان تقول اكثر من كلمتها في هذا الاطار، ما لم يكن كل ذلك في اطار الترهيب النفسي بالقوة. علماً ان اللجوء الى الترهيب يثير تساؤلات عن الاجواء التي سيتوجه الافرقاء اللبنانيون في ظلها الى الانتخابات النيابية المقبلة، كما يثير اسئلة عن صحة ترويج ما حصل في الدوحة على انه انتصار من خلال الثلث المعطّل والشراكة في الحكومة، في حين يستمر نقل الخلافات الى خارج المؤسسات الدستورية كأن شيئاً لم يكن.
والسؤال الذي يبرز في هذا الاطار: هل ان المعارضة ذاهبة الى تطبيق اتفاق الدوحة ام انها غيرت اتجاهها فعادت تهدد مباشرة ومواربة عبر المنضوين تحت سقفها بتأديب الاكثرية كلما ارادت المعارضة اظهار قوتها؟ ولماذا ابداء المخاوف من موضوع تحرير مزارع شبعا، ما لم تكن المخاوف من مجمل المفاوضات السورية – الاسرائيلية التي ستشمل حكماً ما هو ابعد من المزارع؟ علماً ان ثمة تطمينات تأتي من سوريا التي اعلنت رفضها لموفدي الرئيس الفرنسي وضع المزارع تحت الوصاية الدولية، وكذلك من اسرائيل التي لم تعترف بلبنانية المزارع وتخضعها للقرارين 242 و338. وفي هذا المجال، يطرح السؤال ايضاً: ألن يكون الحزب وحلفاؤه في المعارضة في مجلس الوزراء للبحث في هذه المسائل ام ان كل هذه الاجواء تندرج في اطار التحضير للانتخابات النيابية المقبلة؟
يعتقد المراقبون ان اداء "حزب الله" يتصل جزئياً او نسبياً بكل هذه العوامل فضلاً عن عوامل اخرى، لكن تهديداته المستمرة لا تخيف خصومه المباشرين في هذه المرحلة، بل تثير خشية جميع اللبنانيين مما يقود لبنان اليه قبل الانتخابات وخلالها ايضاً، خصوصاً ان التهديدات تجد صدى لها في الواقع الميداني ولا يمكن التكهن بما يمكن ان تنتهي اليه الامور في ظل هذا التصعيد الكلامي بدل التهدئة.
ويبرز التناقض في موقف المعارضة الى جانب الانقسام الذي يظهر قوياً بين موقف الرئيس نبيه بري والنائب العماد ميشال عون، اذ ان بري يرغب في ان يقلع عهد الرئيس العماد ميشال سليمان بسرعة وقوة بينما يفرض عون شروطاً من اجل السماح له بالانطلاق، ووجه التناقض ان المعارضة التي تطالب لـ"التيار الوطني الحر" بوزارات تحسن او تضمن له اعادة انتخابه بقوة بين المسيحيين توفر انطباعات ان "التيار" لم يعد قوياً بالمقدار الذي يقول به، وان ثمة مخاوف حقيقية على قدرته على ان الفوز بالتمثيل المسيحي في المناطق المسيحية في جبل لبنان اي بالاصوات المسيحية بعد انتخاب العماد سليمان، في حين ان فوزه المضمون بالمقاعد المسيحية على لوائح "حزب الله" كما في بعلبك الهرمل او الجنوب لن يضمن له الزعامة المسيحية. وثمة من يعتقد ان "الوصاية" التي يحاول "حزب الله" كفريق وكتنظيم مسلح استخدام سلاحه في الداخل ضد افرقاء لبنانيين اخرين فرضها على رئيس الجمهورية وعلى قدرته على تسمية من يريد من الوزراء في الدفاع او الداخلية، كما وصايته وفق ما اعلن مسؤولون فيه على المراكز الامنية ومنها موقع قيادة الجيش ايضاً، لا تساهم في تقوية فرص حليفه المسيحي انتخابياً في الاوساط المسيحية على الاطلاق، بل على النقيض من ذلك تماماً.
