بعد مرحلة "البذاءة" في لغة التخاطب بين اللبنانيين:
انحدار مريع في ممارسة العمل السياسي!
بسطاء، بل جهلة بـ"شجون" لبنان، اولئك الذين يرون من العرب وغير العرب أن تنازع الفرقاء اللبنانيين على الحقائب التي توصف بـ"السيادية" في الحكومة العتيدة يعني شيئا غير محاولة التقاسم الرخيص لـ"الجبنة" كما كان يسميها الرئيس الراحل فؤاد شهاب. فبرغم أن الحقائب هذه تتعلق بالدفاع الوطني والخارجية والمالية، التي تشكل الركائز الأساسية للدولة، أية دولة، فخلاف اللبنانيين حول من يشغلها (وتاليا عرقلة تشكيل الحكومة للآن) لا علاقة له البتة بركائز قيام الدولة أو بسياساتها الدفاعية أو الخارجية أو المالية، بل فقط بنوعية "الجبنة" من جهة واشاعة انطباع ما من جهة ثانية بأن "انتصارا" تحقق ـ أو سيتحقق فيما بعد ـ! لهذا الفريق أو ذاك .. تحضيرا لمرحلة سياسية لاحقة، أو لدعاية رخيصة عشية الانتخابات النيابية المقررة بعد نحو عام من الآن.
وصحيح أن هذه الوزارات "سيادية" بمعنى ما، اذا ما نظر اليها من زاوية الهوية السياسية للدولة، لكن الصحيح قبل ذلك أن تحديد هذه الهوية وتقرير السلوكيات التي ترعاها وتصونها ليسا مهمة من يشغل هذه الحقائب بل شأن مجلس الوزراء مجتمعا، واذا فلا فرق في شيء بين من يعتبر نفسه وزيرا "سيدا" او "سياديا" في الحكومة وزميله الذي يتولى فيها أية حقيبة أخرى.
أكثر من ذلك، فلا فرق في هذا السياق بين أن يكون "الأسياد" هؤلاء من الغالبية التي تملك في الحكومة، بحسب اتفاق الدوحة، 14 مقعدا وزاريا أو من المعارضة التي تملك 11 أو من رئاسة الجمهورية التي تملك 3 مقاعد. فـ"الديموقراطية التوافقية" في عمل مجلس الوزراء وطريقة اتخاذ قراراته واحدة، تماما كما هو التصويت عليها في حال الاضطرار له.
بل وأكثر، ألم تعد أطراف المعارضة من رحلة الدوحة رافعة "علامات النصر" على خلفية أنها أحرزت ما كانت تطالب به تحت عنواني "المشاركة الحقيقية" في الحكومة الى جانب ما تصفه بـ"الثلث الضامن" في عدد الوزراء؟!.
السؤال الذي يطرح، بعد ذلك كله، هو:
لماذا افتعال هذه "المشكلة" اذا، بل ولماذا التعمد في اجتراح العقد والعراقيل الى حد المطالبة مثلا، وفي هذا التوقيت بالذات، باعادة النظر في صلاحيات رئيس الحكومة ؟!.
لم يعد من مجال للشك، حتى قبل بدء الاستشارات لتشكيل الحكومة، في أن أطرافا وافقت على "بيان الفينيسيا" أولا، ثم على اتفاق الدوحة لاحقا، مرغمة (أو "مرغبة"، اذا صح التعبير)، وفي أنها تعمل مذذاك، وبمختلف الطرق والأساليب، لتحقيق هدف من اثنين لا ثالث لهما: اما تحسين ظروف ما بعد الاتفاق خدمة لـ"أم المعارك" الانتخابية ربيع العام 2009، أو عرقلة تنفيذ ما تبقى من الاتفاق بعد انتخاب الرئيس العماد ميشال سليمان .. فيبقى "الحكم" للشارع، كما كان الحال طيلة الفترة التي تلت استقالة الوزراء ونصب مخيم الاعتصام في ساحة رياض الصلح خريف العام 2006.
الاشارة الأولى الى هذا الموقف، أطلقت قبل التوجه الى الدوحة وتمثلت بالمطالبة باسقاط اسم المرشح التوافقي للرئاسة من "بيان الفينيسيا" تحضيرا لمؤتمر الدوحة، والحديث الى جانب ذلك عن حكومة انتقالية تكون مهمتها التحضر للانتخابات النيابية المقبلة (بما يعني أن مجلس النواب المقبل هو الذي ينتخب الرئيس!).
ثم بعد العودة من الدوحة، وفي جلسة البرلمان لانتخاب الرئيس، جرى تفجير ما يمكن وصفه بـ"قنبلة" العدد المدروس من الأوراق البيضاء، وسط شائعات مدروسة كذلك عمن هم وراء هذه الأوراق.
وبعد انتخاب الرئيس و"خطاب القسم" مباشرة، قام الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله برسم حدود دقيقة لما يمكن وما لا يمكن تطبيقه من بنود الخطاب من جهة واتفاق الدوحة من جهة ثانية.
وبعد ذلك كله، قول العماد ميشال عون أنه "تخلى" عن رئاسة الجمهورية (كأنها كانت في جيبه !) وأنه يريد في مقابل ذلك حصته كاملة في الحكومة.
… وصولا، في المرحلة الأخيرة، الى ما بات يعرفه الجميع من شروط وشروط مضادة حول الحقائب والأسماء والفيتوات والمداورة في الحقائب، وحتى "ترشيحات" واشنطن والرياض وغيرهما من عواصم العالم لأعضاء الحكومة وتوزيع الحقائب عليهم.
لكن أساليب التعطيل وأدواته، مع ذلك، لم تقف عند هذا الحد. فعندما حلت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في بيروت، لتهنئة الرئيس سليمان بانتخابه وابداء استعداد بلادها للعمل من أجل انسحاب القوات الاسرائيلية من مزارع شبعا، قامت "قيامة" فرقاء المعارضة ولم تقعد بعد:
ـ فالوزيرة الأميركية وصلت بيروت، من اسرائيل تحديدا، لسبب من ثلاثة أو للأسباب الثلاثة كلها: محاولة انقاذ الغالبية من "الهزيمة" التي لحقت بها في شوارع بيروت ثم في الدوحة، أو تحريضها على انفتاح فرنسا نيكولا ساركوزي على دمشق، أو دفعها الى مفاوضات مباشرة مع اسرائيل لتأمين انسحاب قواتها من مزارع شبعا. (العودة الى بيانات المعارضة والتقارير المنشورة في اعلامها منذ ذلك الوقت تكشف ذلك بوضوح).
ـ والوزيرة رايس، بعد المسؤول في ادارة التخطيط الأميركية اريك ادلمان، هي التي تتمسك بالياس المر في وزارة الدفاع ولا ترضى بديلا له !.
ـ وهي التي سعت الى شد أزر "المهزومين"، عندما التقتهم في قريطم، ودعتهم الى الوقوف بصلابة في وجه المعارضة.. فضلا عن العمل بكل وسيلة لاسقاط اتفاق الدوحة من أساسه، لأن واشنطن ليست راضية عنه ولا عن قطر التي رعته !.
ـ أما تحرير مزارع شبعا ووضعها تحت اشراف قوات "اليونيفيل"، فذلك ليس سوى مؤامرة أميركية ـ صهيونية ـ لبنانية لا تستهدف تحرير المنطقة من الاحتلال وانما المقاومة وسلاحها اللذين سيبقيان خارج البحث في كل حال !.
قد يقول البعض، تخفيفا وربما تحببا، ان هذه هي "اللعبة" السياسية اللبنانية على مر التاريخ، وأن تشكيل الحكومات في لبنان لم يشذ عن هذا الأسلوب في "عض الأصابع" و"التشاطر" و"تناتش المقاعد" الا في ما ندر.
وربما كان ذلك صحيحا الى حد ما، لكن "الحرب الأهلية" الناشبة بين اللبنانيين حاليا ـ باردة حينا وساخنة حينا ـ ليست مما يجوز معه استمرار هذه "اللعبة"، فضلا عن استخدام مثل هذا الأسلوب من "المفاصلة" الرخيصة كما لو أن العمل السياسي بات أشبه بـ"بازار" … ومن الطراز المتخلف.
لقد انحدرت لغة التخاطب السياسي في خلال العامين الماضيين الى درك لم تبلغه من قبل، لا في لبنان ولا في أي شبه بلد في العالم.
أما في خلال الأيام العشرين الماضية، فقد تكشف بوضوح أن ممارسة العمل السياسي لم تعد لتقل انحدارا في "السخف"، وحتى في "البذاءة"، عن اللغة.
ولأن الهدف الحقيقي، كما بات جليا، يتجاوز ذلك الى اسقاط اتفاق الدوحة، أو أقله الى تجميد مفاعيله، يصبح هذا الصنف من ممارسة العمل السياسي مروقا حتى على الأخلاق الانسانية.
… وليعن الله لبنان واللبنانيين، والعرب وغير العرب المهتمين بهذا البلد التعيس، على المقبل من الأيام.