لأنه يتوقّع أن يفوز مع حلفائه بأكثرية المقاعد وتكون له السلطة
"حزب الله" لا يتخلى عن سلاحه إلا بعد الانتخابات؟
السؤال المطروح من دون جواب حاسم عليه هو: كيف السبيل الى ان لا يبقى سلاح خارج الشرعية؟ فبقاء هذا السلاح تحت اي شكل من الاشكال وتحت اية ذريعة، يقضي على قيام دولة الحق والقانون والدولة القوية القادرة ولا يعود ينفع لا تشكيل حكومة وحدة وطنية، لانها ستكون محكومة بهذا السلاح، ولا حتى وجود رئيس للجمهورية اذا اصبح وجوده صوريا، ولا دور حتى لاجهزة الدولة الامنية والعسكرية اذا كان دورها سيصبح خاضعا لحملة السلاح خارج الشرعية، وما الكلام فوق السطوح الذي صدر عن المسؤول عن العلاقات الدولية في "حزب الله" نواف الموسوي سوى تأكيد لذلك، وللتذكير قال: "لن يكون هناك على رأس اي جهاز امني في لبنان او اي موقع عسكري من لا تطمئن اليه المقاومة والى صدق ولائه للوطن، وهذا وعد، ولن يستطيع احد ان يعين في اي موقع من هو مشبوه في ولائه للوطن او هو متآمر على المقاومة، ولن يتمكن احد من بناء قدرات امنية او عسكرية في لبنان يضعها في مواجهة المقاومة. لقد تصرفنا من قبل على اساس استباقي ووقائي، واننا لن نسمح ببناء جسم امني او عسكري في لبنان يطعننا في الظهر". واخطر ما قاله الموسوي هو: "ان اتفاق الدوحة هو اتفاق الحد الادنى بالنسبة الينا، ولو اننا كنا بصدد استخدام السلاح من اجل تغيير موازين القوى لتحقيق اهداف سياسية، ما كان الامر يطول اكثر من يوم"…
هذا الكلام ترى فيه اوساط قوى 14 آذار الكثير من التحدي والاستفزاز لكل الشركاء الآخرين في الوطن، ومعناه ان لا حاجة لوجود دولة ما دام "حزب الله" اقوى منها، ولا حاجة "الى حكومة ايا يكن شكلها، ما دام الحزب هو الذي يقرر عنها، ولا حاجة الى اجهزة امنية وعسكرية ما دامت اجهزة الحزب هي الاقوى وتستطيع "في يوم واحد تغيير موازين القوى" اذا شاءت ومتى شاءت…
وهذا الكلام الخطير يطرح السؤال الاهم وهو: هل سلاح "حزب الله" هو فعلا للتحرير؟ فاذا كان كذلك، فان الديبلوماسية ناشطة من اجل تحرير مزارع شبعا من الاحتلال الاسرائيلي، وهي ناشطة ايضا من اجل تحرير الجولان بحيث يؤمل ان يتحقق السلام مع اسرائيل عاجلا ام آجلا. واذا كان السلاح من اجل الدفاع عن لبنان من خطر اسرائيل، فان هذا الخطر يزول عندما يتحقق السلام، وهب انه ظل قائما، فان الدولة هي المسؤولة عن درء اي خطر او عدوان يقع، وعلى كل سلاح خارج الشرعية ان يدمج بسلاح الشرعية وليس العكس، وذلك في اطار منظومة دفاعية يتم الاتفاق عليها. فلماذا اذاً التمسك بالسلاح الذي لا يعود اليه اي وظيفة ما دام تحرير الاراضي المحتلة يتم بالوسائل السياسية والديبلوماسية، وما دام السلام اذا تحقق نتيجة هذا التحرير يزيل خطر اسرائيل على لبنان وغير لبنان، الا اذا كانت وظيفة هذا السلاح هي للداخل، وما حصل في ايار الماضي هو النموذج. وما قاله الموسوي: "لو اننا كنا بصدد استخدام السلاح من اجل تغيير موازين القوى لتحقيق اهداف سياسية، ما كان الامر يطول اكثر من يوم" ليس سوى تهديد بل انذار لمن لا يحسبون في الداخل حسابا لهذا السلاح.
واذا كان "حزب الله" لا يرى مصلحة له في ان يغير موازين القوى لتحقيق اهداف سياسية بقوة السلاح، فان الحزب ينتظر موعد الانتخابات النيابية المقبلة كي يحقق ذلك من خلال النتائج التي يتوقعها، وهي الفوز باكثرية المقاعد في مجلس النواب المقبل اذ يرى ان المعركة الانتخابية في الجنوب محسومة له ولحليفه "حركة امل" والمعركة في البقاع شبه محسومة له ولحلفائه "حركة امل" و"التيار الوطني الحر" والكتلة الشعبية برئاسة النائب الياس سكاف، وان الحزب مع حلفائه قادر على الفوز بعدد من المقاعد في بيروت، وفي الشمال، وان يخرق اللوائح في الجبل، بحيث يتوقع ان يفوق عدد النواب الفائزين على لوائح المعارضة الـ65 نائبا وعندها يكون الحكم لـ"حزب الله" وحلفائه وبغطاء مسيحي يؤمنه له "التيار الوطني الحر" ولو بنسبة محدودة، وبوصوله الى الحكم لا يعود وجود السلاح خارج الشرعية مشكلة لان الحزب يصبح هو الشرعية، كما لا يعود تنفيذ قرارات مجلس الامن بما فيها القرارات 1559 و1701 مشكلة لانه يصير في امكان الدولة، دولة "حزب الله" بسط سلطتها وسيادتها على كل الاراضي اللبنانية، ولا تعود ربما حاجة الى بقاء القوة الدولية في الجنوب عندما تنسحب اسرائيل من مزارع شبعا ويتحقق السلام معها او العودة الى اتفاق الهدنة في انتظار تحقيق هذا السلام.
هل يصح ما يتوقعه "حزب الله" من خلال استمرار تمسكه ببقاء سلاحه الى ما بعد الانتخابات النيابية المقبلة من اجل ان يحقق اهدافه وهو الفوز باكثرية المقاعد في مجلس النواب المقبل، فتنتفي عندئذ اسباب استمرار بقاء هذا السلاح، كما تتحقق اهداف المحور السوري – الايراني في لبنان والمنطقة من خلال وصول حلفائه الى السلطة في لبنان.
اما اذا رفضت الاكثرية الحالية اجراء انتخابات نيابية في ظل سلاح "حزب الله" لئلا تجري تحت الضغط والارهاب، فان الحزب يحمّلها عندئذ مسؤولية إحداث فراغ مجلسي، ويكون عهد الرئيس سليمان عجز عن حل مشكلة السلاح قبل الانتخابات، وعجز تاليا عن اجراء انتخابات نيابية حرة ونزيهة مع وجود هذا السلاح، فيتحول عهده من ادارة حل جذري للازمة اللبنانية ومعالجة اسبابها في العمق الى عهد حارس للازمة او مدير تداعياتها، في انتظار حصول تطورات في المنطقة تغير موازين القوى لمصلحة حكمه.
لذلك، فان السباق من الآن حتى موعد الانتخابات النيابية المقبلة هو بين العمل على ازالة الاسباب التي تبرر بقاء السلاح في يد "حزب الله" وبين العمل على بقاء الاسباب التي تبرر الاحتفاظ به. وان لبنان الذي ينتظر نتائج هذا السباق، سوف يواجه مرحلة جديدة. اما في اتجاه الاستقرار الثابت والدائم مع قيام دولة قوية قادرة وعادلة، واما في اتجاه اللااستقرار والاهتزاز الدائم مع انتشار مزيد من الاسلحة في ايدي اللبنانيين على اختلاف اتجاهاتهم ومذاهبهم ومناطقهم، فلا يعود لبنان دولة بل مجموعة قبائل تتقاتل من حين الى آخر، ولكل قبيلة نظامها ولبنانها…