بعض الحقائق اللبنانية الراهنة [7]
قمة روحية في عصفورية مذهبية!
1 – انه لامر محمود ان ينطلق العهد الجديد بحدثين مهمين (القمة الروحية ومؤتمر الحوار الوطني) في ضوء عمق الازمة الداخلية التي لا تقتصر على التدخلات الخارجية، وبعضها دموي، انما تتعداه الى صراع جوهري حول الخيارات اللبنانية في شأن النظام، والصيغة، والاستقلال، والحريات العامة والخاصة، ونمط العيش على تنوعه وحساسية أهله المفرطة. واذا كنا نعتبر ان التدخلين الايراني والسوري هما مشكلة لبنان الراهنة على قاعدة ان طهران تقاتل العالم في لبنان من اجل برنامجها النووي ومشروعها التوسعي في المشرق العربي، فيما النظام السوري يحاول الثأر لاخراجه من لبنان محكوما بعقدة تاريخية (في جانب منها شخصية) راسخة، فان اساس المشكلة يكمن في حصان طروادة اللبناني الذي تعبر فوقه ومنه كل رياح التأزيم ومعها عناصر التفجير المحلي والاقليمي. هكذا كان الامر لحظة تفويت فرصة تاريخية نادرة في التحام الشعب اللبناني تحت راية الاستقلال والسيادة والحرية، فكان ان جرى اخراج مكون اساسي من المعادلة الاستقلالية ليلحق تحت تأثير العنف المعنوي والثقافي والفكري من جهة والعنف المادي بكل صنوفه من جهة اخرى بمشروع اقليمي مزدوج جعل من لبنان ساحة لتصفية الحسابات. ودخل لبنان مرحلة المواجهة الكبرى التي حفلت باغتيال رجالات استقلاليين كبار والتحضير لانقلاب على لبنان الاستقلال، وكان اقفال مجلس النواب لاكثر من عام ونصف عام وتعطيل انتخاب رئيس جديد للجمهورية ستة اشهر ترجمتها في مستوى الدستور والمؤسسات، وغزوة بيروت والمناطق والترهيب المتنقل ترجمتها العسكرية – الامنية. يرمي هذا التمهيد الى التشديد على ايجابية اساسية يمكن ان تخرج منها القمة الروحية التي تنعقد اليوم في قصر بعبدا: التذكير بالتنوع اللبناني القائم على توازنات دقيقة لا تتحمل ان يذهب فريق واحد في غير مذهب الجماعة كما هو حاصل اليوم مع "حزب ولاية الفقيه" الموغل في خيارات احادية مورّطة (فتح الراء) ومورِّطة (بكسر الراء).
2 – تنعقد القمة الروحية كتمهيد لمؤتمر الحوار الوطني والبلاد تعيــش اصعب الازمــات فــي مســتــوى العلاقات الطائفية والمذهبية المشتركة. وفي الوقت الذي تشــعر فيه جماعة بــتــفــوقها على بقية الجماعات، وتحاول ان تعكــس هذا الشــعــور بالتفــوق فــوق المســــاحــات المــشــتــركة التي تقوم عادة على التلاقي والاعتدال، فان في لبنان جماعات يتملكها شعور عميق بأنها بازاء منعطف مصيري وجودي يفرضه كسر فريق لكــل القــواعــد التــي ميّــزت الحــيــاة الــوطنــيــة المشتركة. فالخلاف كبير حول من يملك قرار الحرب والسلم في البلاد، الدولة أم حزب فئوي، والهوة واسعة حول خيار امتلاك السلاح الفئوي او حصر السلاح بيد الشرعية الوطنية المشتركة، والصدام هائل بين ثقافتين متناقضتين تسعى احداهما الى تدمير ارث كياني لبناني قام ويقوم على تراكم تاريخي طويل. هذا كله يستدعي ان تعود كل الطوائف كبــيــرها وصغــيرها الى قماقمها لتقدم الفكرة اللبنانية على الفكرة الفئوية الضيقة التي، في مثل حالة "حزب ولاية الفقيه" اليوم، لــن تجــر على لبــنــان ســوى حــروب داخلية وخارجية لا نهاية لــها، لانها (الحالة) عاجزة عن تقديم خيار سلمي لتنافيه مع طبيعة تكوينها من جهة، ومع اهداف أبائها المؤسسين من جهة اخرى.
3 – في الوقت الذي سيجتمع قادة الطوائف اللبنانية في قمة روحية على خلفية عصفورية مذهبية، نقول ان من المؤسف ان يكون المسلمون اللبنانيون غارقين في خلاف سياسي منفجر مذهبيا. والحال انه ما لم يقف التدهور في المستوى السني – الشيعي فان البلاد سائرة بخطى ثابتة نحو حرب اهلية طاحنة. ولا ينغرن بعض "الرؤوس الحامية" في "حزب ولاية الفقيه" بما حصل في بيروت فيتوهم ان المسألة انتهت عند هذا الحد. من هنا المطلوب التعقل، ليس من الحكماء شأن الشيخ عبد الامير قبلان، بل من قادة "حزب ولاية الفقيه" الذين اشعلوا العصبيات، وينشرون الفوضى في البلاد. كما المطلوب من القيادات السنية ان تدرك خطورة اللجوء الى العصبية وحدها للرد على غزوة بيروت والمناطق، لأن "الآتي" متى اتى سيأكل ابناءه اولا، ثم يلتفت الى الخصم!