#adsense

لبنان مختبر النيات لـ”رؤية” ساركوزي للشرق الأوسط

حجم الخط

لبنان مختبر النيات لـ"رؤية" ساركوزي للشرق الأوسط
توترات أمنية وحضور إيراني فاعل على خط دمشق

بين "الشرق الاوسط الجديد" الذي كتب عنه منظرو المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، و"رؤية" الشرق الاوسط الجديد التي يحاول الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ارساءها من ضمن مشروع "الاتحاد من اجل المتوسط"، يعيش لبنان على وقع الرؤية الضبابية في المنطقة، فيقف عاجزا عن تشكيل حكومته بعد اكثر من شهر على انجاز اتفاق الدوحة.

وقبل أشهر من مغادرة الرئيس الاميركي جورج بوش البيت الابيض، وفيما يروّج معارضو السياسة الاميركية لانحسار المد الاميركي، تسير فرنسا بخطوات واثقة، حتى ان المتصلين بديبلوماسيين فرنسيين يتحدثون بجدية عن اقناع ساركوزي لبوش بخطوات تصاعدية تهدف الى ارساء سلام ثابت في المنطقة.

لكن هذه الرؤية تبدو في نظر مراقبين محليين مفرطة في التفاؤل، ومبكرة في استخلاص نتائج سلام شامل وتام، في لبنان والمنطقة. ولعل ما حدث في شمال لبنان وقبله في البقاع، مؤشر حيوي الى ان القطبة المخفية في اتفاق الدوحة لا تزال عصية على الحل، وان المساعي الفرنسية لم تختمر بعد الى حد يوقف تجارة السلاح الرائجة في لبنان حاليا.

واذا كان وزير الخارجية المصري احمد ابو الغيط استغرب التطور الامني المفاجىء، فان الامنيين اللبنانيين بدوا مستعدين منذ مدة غير قصيرة لتطور أمني تصاعدي في البقاع والشمال، على خلفية اتجاه المعارضة لحسم شامل لمواقعها في المنطقتين، بحيث يتحقق ما كانت انذرت به قيادات فيها، من ان التاخير في تشكيل الحكومة سيجعل الموالاة تدفع اكثر من رصيدها، "وتترحم على ما اتى به اتفاق الدوحة". وفي حين بدا التريث واضحا في حسم الامور في البقاع، لاعتبارات تتعلق بالتداخل بين البقاع وسوريا وطريق دمشق، فان احتمالات توسع رقعة الفتنة شمالا، قائم بجدية، وخصوصا ان اختصاصيين امنيين، رسموا قبل اسابيع قليلة، خرائط مفصلة عن المنطقة وتوزّع القوى السياسية والدينية، بحيث تظهر نقاط التماس الواضحة والقابلة للتفجر في اي لحظة مؤاتية، وهي خرائط لا توحي كثيراً من الاطمئنان.

ولكن السؤال هو: لماذا انقلاب الاوضاع تدريجا، فيما بدت الابواب السورية تنفتح تدريجا على اوروبا، بما اوحى ان ثمة انفراجا اقليميا سينعكس حكما في لبنان، بعد انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية، وتلاحق لقاءات التفاوض السورية الاسرائيلية؟
في الاجوبة اللبنانية، ان ثمة خطين يتصارعان حاليا حول لبنان، الاول تقوده فرنسا بالنيابة عن واشنطن، والثاني ايران بالنيابة عن سوريا.

الخط الاول يتعدى لبنان ليشمل رؤية فرنسية متكاملة لدور فرنسي جديد في اوروبا والشرق الادنى، بعد ترنح معاهدة ليشبونة. فساركوزي الذي استعاد المبادرات الخارجية من يد وزير خارجيته برنار كوشنير، يحاول تثبيت معادلة جديدة – قديمة تقضي بسحب دمشق من الخندق الايراني، لتحقيق سلام شامل في المنطقة، في مقابل فك عزلتها الدولية، وتشجيع حوارها مع اسرائيل، وتخفيف سقف التوقعات في ما يتعلق بالمحكمة الدولية التي تصر باريس على استمرار عملها، ولو طالت ضباطا قريبين من النظام السوري لا النظام في ذاته، على أن تتزامن الحوافز السورية، مع تأييد فرنسي لرفع سقف العقوبات على طهران في الملف النووي الذي جزم ساركوزي أمس من تل ابيب برفضه. وتتضمن رؤية ساركوزي ايضا لإعادة تفعيل دور فرنسا في الاتحاد الاوروبي، التي تتسلم باريس رئاستها الدورية بدءا من الاول من تموز المقبل، والعودة المظفرة الى القيادة العسكرية لحلف شمال الاطلسي، بعد 43 عاما على خروج باريس منها على يد الجنرال شارل ديغول، اضافة الى اعادة ترتيب البيت العسكري الفرنسي، امنيا وعسكريا، والاهم استخباراتيا، وهو العنصر الذي يعول عليه ساركوزي من اجل تمتين الشراكة مع واشنطن كما كانت عليه الحال بين باريس ولندن خلال الحرب على الارهاب وحرب العراق.

لا يمكن وفق السيناريو الفرنسي، بناء عوالم ثقة مع سوريا، الا عبر لبنان، من هنا جاء طرح موضوع مزارع شبعا. وبدا للوهلة الاولى ان سوريا تتجاوب الى اقصى حد مع الرغبات الفرنسية، التي كانت مدار بحث طويل بين ساركوزي والرئيس الاميركي جورج بوش الذي أعطى الضوء الاخضر لباريس خلال زيارته الاخيرة لها، كمحاولة تكشف مرة اخيرة عمق الالتزام السوري للسلام الموعود.

بعد زيارة الموفدين الفرنسيين كلود غيان وجان دافيد ليفيت، وزيارة الرئيس السوري بشار الاسد للهند، في خطوة لها مغزاها الدولي، اثر زيارة والده لها قبل عشرين عاما، والدعوة الفرنسية الى الاسد للمشاركة في احتفال 14 تموز، ظهرت سوريا وكأنها استعادت حضورا دوليا واقليميا يتكرس تدريجا. لكنها لم تترجم هذا الحضور في لبنان.
وفي حين تسير المفاوضات السورية مع اسرائيل بخطى ثابتة، يترنج اتفاق الدوحة وتتضاعف التفجيرات الامنية، ويتعثر تشكيل الحكومة، ويتريث الاسد في الرد على الدعوة الفرنسية قبولا او رفضا.

وهنا يتقاطع الخط الثاني الذي يفرض ايقاعه على لبنان، اي الدور الايراني. فسوريا التي تمشي على حبل رفيع، لا تزال تمسك العصا من نصفها لمزيد من التوازن. ولكن بحسب تقرير أمني غربي، فان زيارة المفتشين الدوليين لسوريا التي بدأت الاحد وتنتهي مساء غد، ستكون اختبارا حقيقيا لمدى جدية التزام سوريا والوفاء بتعهداتها. ففي حين بدت الزيارة كأنها لانقاذ ماء وجه المجتمع الدولي عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي اعلنتها قبل تسابق خطوات الانفتاح السوري على المجتمع الدولي، ثمة توقع ان تكون نتائجها مؤشراً الى مدى التجاوب السوري مع ما يطلب من سوريا تقديمه، وخصوصا ان المدير العام للوكالة محمد البرادعي كان قال ان سوريا "لا تملك القدرات لبناء مجمع نووي".

وبحسب التقرير اياه، فان سوريا، على جاري عادتها، ستعطي كل الاشارات المطمئنة لمن يطلبها، من دون ان تكون حقيقة راغبة في تقديم اي من التنازلات التي تتعلق بمصالحها الحيوية، التي باتت مرتبطة بالحضور الايراني العسكري والامني على اراضيها، وعلى الساحة اللبنانية. وهي تعتقد أن حضورها في بيروت بات أقوى بعد حوادث 8 ايار الماضي، وان حلفاءها يعيشون افضل أيامهم بعد حصولهم على الثلث الحكومي المعطل في اتفاق الدوحة، وان ما يمكن ان تعيشه لاحقا، لن يكون اسوأ مما حصل منذ عام 2005 . وقد بدأت معالم التشدد الايراني عبر سوريا تظهر في بيروت، عبر الكلام الحاد الذي يطلقه "حزب الله" ضد الاكثرية، وحول التعيينات الامنية.

اما خلاصة التقرير بحسب محللين أمنيين، فهي ان فرنسا ستجد نفسها مجبرة على التسليم بوجهة نظر واشنطن المتشددة ضد سوريا، التي تتحين الفرصة لقلب الطاولة على مفاوضاتها مع اسرائيل وفرنسا وتركيا، وتثبيت حلفها مع طهران، ما دام الوقت لمصلحتها، مع اقتراب نهاية ولاية الادارة الاميركية الحالية. ولن يعرقل هذا المسار الا ضربة اميركية لايران.

المصدر:
النهار

خبر عاجل