سياسة الحرب في مخيم لبنان
يوم في فيينا لا يقدم ولا يؤخر في عملية تأليف او لا تأليف الحكومة. فالعراقيل الظاهرة والخفية والممتدة من بيروت الى عواصم عدة تكفي وتزيد. ولسنا على موعد مع حكومة وحدة وطنية، سواء بقي الرئيس المكلف في السراي او ركب الطائرة ليحضر شخصيا مؤتمر المانحين لاعادة البناء في مخيم نهر البارد، او حتى لكي يغني (ليالي الانس في فيينا). لكن الموعد مع مؤتمر المانحين لا يتأخر، لأن اعادة بناء المخيم ضرورية وملحة ولا يمكن ربطها بانتهاء المماحكات حول التأليف. فهل نقول: ليت (مخيم) لبنان الكبير يحظى بالاهتمام مثل مخيم نهر البارد؟ أليس ما نراه هو تكرار تهديمه بدل اعادة اعماره؟ اليس تمويل الفتنة في لبنان هو البديل من تمويل النهوض والاستقرار والاستثمار في اقتصاد المعرفة؟
الفتنة اشد من القتل، كما تقول الحكمة. ونحن نعاني اليوم الفتنة والقتل معاً. فتنة التحريض على الكره. وفتنة استخدام السلاح في التقاتل. واذا لم يكن ما حدث ويحدث في بيروت والجبل والبقاع وطرابلس وعكار حربا اهلية، فكيف تكون الحرب؟ واذا كان (اتفاق الدوحة) رأى النور بسبب الخوف من انتشار الفتنة المذهبية الى خارج لبنان، فماذا نسمي تعطيل الاتفاق بعد تطبيق بند وحيد هو انتخاب الرئيس التوافقي؟ اليس رهانا على سياسة الفتنة من اجل الوصول الى وضع آخر؟ اليس تهديما للباقي من الجمهورية وتكبيلا للرئيس الجديد وضربا لمصالح الجمهور وحقوقه وقضاياه؟
لا احد يجهل ان استخدام السلاح قرار سياسي. لا اي سلاح بل المدافع والقذائف الصاروخية التي يفترض انها لم تعد موجودة في ايدي احد بعد ثمانية عشر عاما على وقف الحرب والكلام على السلم الاهلي. فالحديث عن رفع (الغطاء السياسي) بعد كل معركة هو تسليم بأن استخدام السلاح ليس جرائم حرب حين يكون الغطاء السياسي مؤمنا. والمعنى البسيط لذلك اننا لسنا في جمهورية لها رئيس وتحتاج الى حكومة. حتى المنطق الطبيعي القائل ان الامن سياسي، لا عسكري فقط، فاننا نستخدمه على طريقة حق يراد به باطل.
اذ بعد كل وقف للنار نبحث عن الامن بالتراضي بين قادة المسلحين، لا عن القرار السياسي للشرعية. ولو كان الجيش اللبناني في هذه الحال، اقوى من جيوش اميركا وروسيا والاتحاد الاوروبي، لما تمكن من وقف الحرب والانتشار في كل شارع. فكيف اذا كان الجيش منهكا، والسياسة هي تعطيل المؤسسات؟
اللعبة اكبر من حكومة واخطر مما نتصور.