أيها المسيحيون… إنه "حضور إلهي"
بالأمس في 22 حزيران 2008 حضر المسيحيون بكثافة إلى ساحة الشهداء للاحتفال بتطويب الأب يعقوب الكبوشي في سابقة هي الأولى من نوعها . فكان حضورهم دون عدادات ودون zoom in و zoom out وخارج تصنيفات سياسية سئمها الناس ودون وسائل نقل موضوعة بتصرفهم لتسهيل وصولهم دون مشقة ومعاناة ودون وعود واغراءات تغدق ودون ودون… واهم شيء دون أن يأتي من يقول أرقام ويأتي آخر ليدحضها .
عشرات ألوف المسيحيين كانوا يحتفلون بالصلاة في مناسبة هي الأولى في تاريخ لبنان مؤكدين للعالم ان هذا الوطن هو ارض قداسة وقديسين . أتى المسيحيون بالأمس ليقولوا لمن يهمه الأمر انه لا خوف عليهم وعلى مستقبلهم في لبنان والشرق رغم وجود حركات تكفيرية وأصولية تحاول زرع الرعب في قلوبهم ورغم إنهم يعيشون منذ ألفي سنة جواً من الاضطهاد والتهجير والخوف و التكفير وهذا قدر أتباع هذا الدين خصوصاً أن يسوع المخلص قد قال لهم : "ستضطهدون من اجل اسمي "… هذا في الدين .
أما في السياسة فقد اثبت المسيحيون حضورهم الحقيقي والفعلي مشكلين إحراجاً لمن يحاول ان يقول إنهم أصبحوا أقلية في لبنان وان التحالفات السياسية ووثائق التفاهم مع أحزاب وقوى أخرى في لبنان تحمي وجودهم وبقاءهم .
إن الأيام والأحداث والتجارب أثبتت بما لا يقبل الشك ان لا احد يستطيع ان يحمي احداً ولا طائفة باستطاعتها حماية طائفة أخرى ومن يحمي اللبنانيين جميعاً هي الدولة القادرة والعادلة والضامنة .
فما حصل بالأمس خلال تطويب الأب يعقوب الكبوشي هو " حضور إلهي " نعم لقد حضر الله وكان موجوداً بيننا فالانتصارات والإنجازات التي يصنعها أو يدعيها الإنسان إلى زوال والانتصارات والإنجازات التي تدخل فيها يد الله باقية لا تزول .
ما حصل كان صورة وطنية رائعة تجسدت في حضور ومشاركة قيادات إسلامية في هذا الحدث الهام عند المسيحيين وكان دليلاً واضحاً على ان لبنان و كما قال يوحنا بولس الثاني " اكبر من بلد انه رسالة " انه رسالة المحبة والتفاهم والحوار والعيش الواحد بين مختلف الديانات السماوية . لقد جمعت القداسة ما فرقته السياسة واحتضن وسط بيروت الجميع فجعلهم متساويين أمام الله علهم "يهتدون " ويصبحون كذلك في الوطن .
بالأمس كان لافتاً حضور السيدة هدى فؤاد السنيورة ، والسيدة بهية الحريري ، والرئيس حسين الحسيني، والرئيس نجيب ميقاتي ، والوزير احمد فتفت وعقيلته ، و الوزير حسن السبع ، والوزير محمد جواد خليفة وغيرهم من أخوتنا المسلمين (عذراً إذا سها اسم بعضهم عن بالي ) وهذا ما ترك وحفر في قلوب المسيحيين أثره الطيب والمؤثر و العميق.
أما الذي كان نافراً ومزعجاً هو عدم حضور رئيس اكبر " تكتل نيابي مسيحي " صلاة التطويب وكذلك عدد من النواب الموارنة الآخرين والذي كان لافتاً وموضع انتقاد كبير وجود احدهم على احدى شاشات التلفزة ينظر حول الحصص الوزارية والحقائب السيادية في وقت كان لبنان والموارنة والمسيحيين يحتفلون بأهم حدث في تاريخهم وهذا ما ترك اثراً سيئاً في نفوسهم وقلوبهم حيث لا ينفع عذر ولا تبرير متسائلين عن سبب هذا التقصير الفاضح في مناسبة تاريخية ووطنية كهذه واضعين نقاط استفهام عديدة حول هذا الموضوع…
أما الذي عوض عن كل ذلك و أقولها كمسيحي لبناني بكل اعتزاز وفخر هو حضور الرئيس ميشال سليمان وعقيلته ومشاركتهما بالصلاة فعلاً ومضموناً بعيداً عن الشكليات والمظاهر من منطلق إيماني مسيحي اولاً ووطني بالتأكيد وما الترحيب الحار والعفوي الصادق الذي لقيه الرئيس سليمان من المؤمنين والناس الطيبين إلا إشارة واضحة بأن الاتجاه والهوى والإعجاب والتقدير والتأييد السياسي المسيحي الفعلي تصب عند رئيس الجمهورية الحائز على ثقة وقلوب الناس ، ولشعورهم بان هذا الرئيس تحديداً قد أعاد إليهم حضورهم ودورهم الفعلي في الحياة السياسية اللبنانية رغم العراقيل والحواجز والمطبات المفتعلة والتي يحاول البعض وضعها أمام بداية العهد .
بالأمس عندما شاهد اللبنانيون عموماً والمسيحيون خصوصاً رئيسهم يشارك في هذا الحدث الكبير بصفته رئيساً للدولة يحيط به رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء وبهذه الطريقة المتواضعة والمحببة والإيمانية شعروا بالفخر والاعتزاز وتأكدوا بان قائد السفينة سيوصلهم أبى من أبى ، وشاء من شاء ، وعرقل من عرقل ، طالت الأيام أم قصرت ، إلى شاطىء البر والأمان وانه خلال رئاسته سيكون متكلاً على الله و على وطنيته ولبنانيته وحكمته وبعد نظره ومدعوماً من الناس الشرفاء وهم الأكثرية في هذا البلد .
هذا الدعم صمم عليه المسيحيون بعدما شعروا منذ الطائف وحتى اليوم بتهميش وإلغاء لدورهم وحضورهم وشراكتهم في هذا الوطن وبعدما اختبروا قساوة وهول الفراغ في رئاسة الجمهورية فراغ فعلي امتد لأشهر وفراغ قسري امتد لسنوات.