لجوء المعارضة إلى التوتير الأمني مكاسبه معدومة في تغيير تركيبة الحكومة الجديدة
نقلا عن "اللواء": ترى مصادر سياسية بارزة أن افتعال الاشتباكات المسلحة المتنقلة من منطقة الى أخرى وبتوقيت زمني مدروس يحصل بعد كل تهديد علني يوجهه "حزب الله" مباشرة أو النائب ميشال عون بالنيابة عنه، كما حدث منذ العدوان العسكري الذي شنّه الحزب على مدينة بيروت ومناطق عديدة في الجبل، ومروراً بالاعتداءات المبرمجة على البقاع الأوسط، وصولاً الى الاعتداء الأخير على مدينة طرابلس الأبيّة، وقد تطال هذه الاشتباكات المفتعلة التي تتظلل بسلاح المقاومة مناطق جديدة، كانت بمنأى عن التوتر والاستفزاز والاشتباكات، كما بشّر اللبنانيين بذلك النائب عون منذ يومين.
وفي اعتقاد هذه المصادر أن وراء تأجيج هذه الاشتباكات المسلحة والاعتداءات التي يتولى إدارتها حزب الله مباشرة، ممارسة مزيد من الضغط على انطلاقة العهد الجديد، لإرباكه من جهة ولحمله على فرملة الرؤية المتكاملة التي تضمّنها خطاب القَسَم، لا سيما ما يتعلق منها بأسس بناء الدولة في المرحلة المقبلة وتحديداً بالنسبة لمسألة الاستراتيجية الدفاعية وسلاح حزب الله، ومن جهة ثانية تحقيق مكاسب إضافية في عملية تشكيل الحكومة الجديدة، خلافاً لما تم الاتفاق عليه في الدوحة، لتعويض النائب عون خسارته لمنصب الرئاسة الأولى وتدعيمه بحقائب وزارية، يمكن أن تشكل رافعة أساسية له ولتياره في الانتخابات النيابية المقبلة، بعد التعديل الحاصل في خريطة التحالفات الانتخابية في المناطق التي تشكل الثقل الانتخابي للتيار العوني، إثر افتراق النائب ميشال المر عن التحالف السابق منذ فترة، وظهور بوادر تحالفات سياسية جديدة في هذه المناطق.
وتلاحظ هذه المصادر، انه ليس صدفة أنه منذ انتخاب رئيس الجمهورية، والخروقات الأمنية تنتقل من منطقة لأخرى، وكلما جوبهت الشروط والمطالب التعجيزية للمعارضة بالرفض في مسألة تشكيل الحكومة الجديدة، يتم الرد عليها بالتوتير الأمني المبرمج من خلال أسلوب مكشوف، يهدف الى ممارسة الضغط الأمني، لحمل المعنيين بعملية التشكيل في النهاية للرضوخ والانصياع لهذه المطالب التي تتعدى أسس توزيع الحقائب الوزارية قياساً على الحجم التمثيلي للمعارضة على حساب ما تتمتع به الأكثرية في الحكومة المرتقبة كما نص على ذلك اتفاق الدوحة بشكل واضح، لا يحتمل أي لبس أو اجتهاد من أي جهة كانت• وتلفت المصادر السياسية ان الأكثرية تتمسك حرفياً باتفاق الدوحة، وتلتزم تنفيذ بنوده بتراتبيتها كما وردت في النص، وهي ليست في وارد الانصياع للتهديدات والضغوط مهما بلغت، أو التنازل عن نسب تمثيلها في الحكومة الجديدة، إن كان بالنسبة لنوعية الحقائب الوزارية أو عددها، ولكنها في الوقت نفسه حريصة على اعطاء المعارضة النسبة التي تم الالتزام بها في الاتفاق المذكور، تمثيلاً وحقائب وزارية، وهذا ما سيتم في النهاية، بالرغم من كل محاولات الالتفاف والتبرّم والتوتير الأمني المفتعل، لأن الجميع محكوم في النهاية بالوصول الى تأليف الحكومة الجديدة، التي تنتظرها استحقاقات مهمة محلياً واقليمياً ودولياً، لا بد وأن تبدأ بممارسة مهماتها للتحضير لهذه الاستحقاقات ولوضع لبنان في مرحلة جديدة.
وتعتبر المصادر المذكورة ان كل ما تقوم به المعارضة حالياً بقيادة حزب الله، إن كان على الصعيد السياسي او الامني، يهدف في الاساس الى تحضير الاجواء الملائمة والارضية المؤاتية لقلب موازين القوى السياسية من خلال الانتخابات النيابية المقبلة، وافقاد الاكثرية النيابية الحالية وضعيتها وتحويلها اما الى اقلية، او تقليص عددها الى نسبة لا تمكنها من ممارسة نفوذها في السلطة المقبلة، كما هي الحال منذ الانتخابات السابقة وافقادها افضلية التفوق على المعارضة، بما يؤدي الى تقليص دورها ونفوذها في القرار السياسي السلطوي لمصلحة المحور الذي تنتمي اليه المعارضة في الوقت الحاضر.
فهذا الهدف واضح، ولا يمكن تجاهله، او التغطية عليه بشعارات مموّهة ومزيفة، تروج لها المعارضة من وقت لآخر، لتمويه ما تقوم به في شتى المجالات وباساليب ملتوية ومتعددة، بعد ان باءت كل محاولاتها السابقة لإلغاء الاكثرية النيابية بالفشل، وبعدما عجزت عن فرض هذا الواقع من خلال الترهيب المتواصل.
وتلفت المصادر السياسية البارزة الى ان لجوء "حزب الله" الى الزج بسلاح "المقاومة" المخصص لمواجهة اسرائيل، في الصراع السياسي الداخلي إن كان من خلال الاعتداء المنظم على مدينة بيروت، او طرابلس، او مناطق الثقل السني للاكثرية التي يشكل تيار المستقبل عمودها الفقري، يأتي لتحقيق هدفه في حسم الصراع السياسي الدائر منذ ثلاثة اعوام وبعد انسحاب الجيش السوري لصالحه بقوة السلاح، بعدما فشل في اللجوء الى اساليب التحشيد البشري بداية، والتظاهر التخريبي واحتلال وسط بيروت ومحاصرة السراي الحكومي، واخيراً محاولة شل الحكومة وتعطيل المجلس النيابي، وليشكل استعمال السلاح "المقاوم" عنصر تخويف وترهيب للقاعدة الشعبية لتيار "المستقبل"، يمهد لاضعافها وتفكيكها على أبواب الانتخابات النيابية، لمصلحة شخصيات سنية منضوية تحت لواء حزب الله وتأتمر بأوامره.
وفي اعتقاد المصادر السياسية ان النتيجة المنظورة للجوء حزب الله الى استعمال سلاح المقاومة في الصراع السياسي الداخلي، أتت معكوسة تماماً لما كان يتوقعه قادة الحزب وكل من حمّسه للجوء الى هذا الاسلوب وايده علناً او سراً في هذا الخيار، الذي أدّى اولاً الى سقوط هيبة هذا السلاح، من سلاح موجه للعدو الاسرائيلي، الى سلاح فتنوي، يوجه الى اللبنانيين لغايات واهداف سورية وايرانية، للسيطرة على لبنان، كما ظهر علناً على لسان اكثر من مسؤول ايراني كان آخرهم علي لاريجاني، في حين ان تحقيق التفوق السياسي من خلال هذا السلاح، بدأ يندثر تدريجياً بعد انتخاب رئيس الجمهورية الجديد ورفض الاغلبية الانصياع لتأثيرات هذا السلاح، الذي يواجه بالرفض المطلق في مناطق استعماله، وبالتفاف شعبي على الاكثرية وتأييد طروحاتها السياسية، خلافاً لما يسعى اليه حزب الله والمعارضة، ورفض سياسي ملحوظ للانحناء بالرغم من كل الحرائق التي يشعلها هذا السلاح.
ولذك، لن تكون الانتخابات النيابية المقبلة ممكنة في ظل استمرار انتشار السلاح "المقاوم" من الشمال مروراً بالعاصمة والجبل والبقاع، واذا نجحت السلطة في اعادته الى مستودعاته السابقة، لن تكون هذه الانتخابات سهلة، لمن روّج لقانون الستين، او عمل ما وسعه لاستغلال السلاح في حسم النتائج لمصلحته مسبقاً