صرخة القمّة الروحيّة
قيل لزعيم الكرملين جوزف ستالين ان البابا اعلن وقوفه ضد انخراطكم في الحرب، فسأل "الرفيق الاول" الذي كانت الارض ترتجف تحت خطوته: وكم يملك البابا من الدبابات والمقاتلات…
القمة الروحية التي انعقدت امس في القصر الجمهوري بحضور الرئيس ميشال سليمان ورعايته، لا تملك دبابات ومقاتلات، ولا ميليشيات ومقاتلين. لكنها تملك ما هو اقوى وابلغ من ذلك كله: سلاح الكلمة وسلاح الموقف، فضلاً عن سلاح الرعوية والمسؤولية المعنوية ومهابة المقدمين في الموقع والمكانة.
بل تملك هذه الصرخة الوجدانية المدوّية.
وقد قالت القمة كلمتها في البيان الختامي، وارادت لها ان تكون سياسية وطنية لبنانية جامعة، موجهة الى كل الفئات الحزبية المنخرطة في المواجهات والاصطدامات، والى كل السياسيين الذين يُفترض ان يكونوا صمام الامان لا برميل البارود، او الفتيل المؤدي اليه.
وللمرة الاولى، ربما، تنعقد قمة روحية في قصر بعبدا، وللمرة الاولى تخاطب السياسيين والمسؤولين بهذه الصراحة، داعية الجميع الى التزام وحدة الدولة، وتعزيز سلطاتها ووجودها على كامل اراضي جمهورية مرقد العنزة.
ولان لا سلاح لدى السلطة الروحية سوى الكلمة، فقد ألحّت على كل المعنيين بالازمة وتعقيداتها ان يتوقفوا عن الاحتكام الى السلاح لفض الخلافات. وفي كل الظروف والاحوال. خصوصاً اذا كانت الغاية تحقيق مكاسب سياسية.
لقد كان من الضروري ان يجتمع اهل السلطات الروحية، على اختلاف انتماءاتهم، ويتصارحوا في ما بينهم تمهيداً لمصارحة الرعية، وتحديداً اهل السياسة واهل السلطة واهل القوة المسلحة.
فلا بد من مرجع، من مرجعية، من قمة، تخاطب هؤلاء المشتبكين دائماً، والمختلفين على كل شيء دائماً وابداً، ووضعهم امام واجباتهم ومسؤولياتهم، والقول لهم بالفم الملآن ان هذا الذي تحاول فسخه وفرقعته هو وطن جميع ابنائه وطوائفه واحزابه، ومرجعه الوحيد هو السلطة الدستورية، والقانون الذي يحكم بين المختلفين، ويساوي بين الناس في الحقوق والواجبات.
وخلافاً لرأي ستالين، ولمن شُبّه لهم في هذا الزمن الرديء، فللمرجعيات الروحية قوات وجيوش مدرّعة بالايمان والقيم والاخلاق، متمسّكة مدى الازمات والحروب بالدولة ومؤسساتها، متعمشقة بالنظام الديموقراطي البرلماني، ولا تتنازل عن حرياتها ولو قيد أنملة.
مفيدة جداً قمة امس. ولا بأس باللجوء اليها ثانية إذا ظلّ المعرقلون والمعطّلون واصحاب الشهوات السلطوية على انانياتهم وفردياتهم وشخصانياتهم، فضلاً عن استهتارهم بمصلحة لبنان المنكوب بهم، وبمصيره وتعتيره.
الحق مع الرئيس سليمان عندما يقول ان خلافات اللبنانيين ومغامراتهم وصلت الى حد الانتحار.
كاد يقول هو والقمة الروحية: آن الاوان لتخرجوا من هذه العصفورية