#adsense

العودة إلى “صندوق باندورا” ؟

حجم الخط

العودة إلى "صندوق باندورا" ؟!

أبعد من تشكيل الحكومة وأبعد من الخلاف على الحقائب الوزارية، سيادية أم خدماتية، هناك شيء جوهري وأساسي وحتى تكويني كُسر بين اللبنانيين قبل أربعة أعوام، ولم تتم معالجته في العمق وسيبقى عامل انقسام وحتى عامل صراع ينقل البلاد من أزمة الى أزمة أدهى.

ومنذ أن أصبح اللبنانيون "آذاريين" منقسمين بين أهل 8 آذار وأهل 14 آذار راحت الهوة تتسع بينهم الى درجة وقوع البلاد في أزمة سياسية عويصة ومعقدة قادتنا في لحظات معينة الى الوقوف على حافة الحرب المذهبية السنّية – الشيعية التي يبدو أننا ننزلق اليها بخطى سريعة رغم كل ما يقال من كلام تجميلي عن ان الصراع سياسي وليس مذهبيا.

صحيح ان منطلقات هذا الصراع سياسية، ولكن العامل المذهبي المتأجج في ظل ما يحصل في العراق من قتال دموي بين السنّة والشيعة وبتشجيع أكيد من أميركا واسرائيل، هذا العامل لعب ويلعب الآن دورا أساسيا في رسم المواقف وتعميق العداءات وتغذية عناصر الازمة التي لن تنتهي عندما تشكل الحكومة أو حتى عندما نذهب الى الانتخابات النيابية في ربيع السنة المقبلة!

❑❑❑

غدا ستخلق أزمة اختيار قائد جديد للجيش وأزمات تعيين قادة للاجهزة الامنية. وبعد غد سيصل الخلاف الى موضوع تعيين عضو في هذه الجمعية او في مجلس الادارة هذا او ذاك. وفي موازاة هذا تشهد البلاد سلسلة من الصدامات الامنية والاضطرابات المسلحة التي تنتقل من منطقة الى منطقة، فبعد استعمال السلاح في الداخل في بيروت والجبل والشمال والبقاع، يمكن القول ان هذا البلد الخارج من عقدين من الحروب الاهلية، وإن بدفع خارجي، عاد يسرع الخطى نحو استعادة تاريخه البغيض. فلقد كان دائما "صندوق باندورا" المفتوح على كل الشرور وخصوصا ان السلاح في الداخل يستسقي السلاح في الداخل عند هشاشة الدولة وتردد قواها الامنية!

واذا كان الماضي على هذا النحو رغم كل ما يقال تنظيراً، وحتى كذبا في مسألة التعايش او العيش الواحد او الوحدة الوطنية، فكيف يكون الامر الآن بعد هذه المسيرة المؤلمة من الانقسام وما رافقها من ضغائن وكراهيات، وبعد تقاطع الصراع الاستراتيجي الاميركي – الايراني فوق لبنان وكذلك ارتداداته الاقليمية العربية.

❑❑❑

ومنذ اللحظة التي سمح اللبنانيون بأن يتحول بلدهم منطقة تقاطع لهذه الصراعات الخارجية انكسر شيء جوهري بينهم لا يمكن ان ينتهي أو تتم معالجته في معزل عن النهايات المحتملة للصراع الدولي الاقليمي:

قصة النوويات الايرانية ودور ايران في المنطقة – الموقع النهائي لسوريا في الممانعة أو في ابرام التسوية مع اسرائيل – مستقبل العراق – قدرة القيادتين السعودية والايرانية على كبح نيران الفتنة بين السنة والشيعة وقد تجاوز هذا الامر العراق الى باكستان وأفغانستان.

انكسرت أشياء كثيرة وانعدمت الثقة حتى الصفر، واتفاق الدوحة الذي أنهى الخلاف على انتخاب رئيس الجمهورية ما لبث أن وقع في حقل من الالغام المنصوبة التي قد تنسف العهد والبلاد ايضا.

لم يكن اتفاق الدوحة حلا، بل كان تسوية سياسية عند حدود القشرة الخارجية للأزمة، أي عند حدود السعي الى ترتيب مؤسسات الدولة، بينما الحل يجب ان يذهب الى العمق والجوهر، أي الى مفهوم الدولة عينها، والى مفهوم الوطن.

وهنا يكمن الخلاف الجوهري والمصيري. وهنا تكمن الانكسارات الحقيقية. فعندما يعلن الشيخ نعيم قاسم مثلا الاستعداد للمناقشة مع الآخرين "كي تكون المقاومة جزءا من مشروع كل اللبنانيين حول أي لبنان نريد، لبنان السيد الحر المستقل القوي أم لبنان تحت الوصاية، فان ذلك يعني عند الاكثرية في ظل الخلاف السياسي المديد وبعد دخول السلاح الى الداخل وعلى خط حسم الخلاف، ان "دفتر شروط" "حزب الله" هو الذي يفترض أن ينفذ في الاتفاق على أي لبنان نريد لكي يكون البلد سيدا وحرا، وإلا فان لبنان يكون تحت الوصاية!

وعندما يقرأ اللبنانيون كلاما صادرا عن مسؤولين في "حزب الله" يمكن ان يُفهم منه ان على الدولة ان تدخل تحت مظلة الحزب والمقاومة، وأن تولد من رحم أو من مفاهيم الحزب والمقاومة، وأن تتبعهما في كل الامور من مفهوم الاستراتيجيا الدفاعية الى تعيين أي شخص في أي موقع أمني، مرورا طبعا بمواقف لبنان وعلاقاته الخارجية، فان ذلك يعني اننا امام وضع لم يعد يحتمل الثنائية في التصرف والمفهوم بين الدولة والمقاومة وخصوصا عندما تدعو الاكثرية الى الاتفاق على استراتيجيا دفاعية تضع مقاليد القرار والسيادة في يد الدولة. فاما ان تلتحق الدولة بالمفهوم الذي يراه "حزب الله" للدولة، وإما ان يلتحق الحزب بالمفهوم الذي يتفق عليه اللبنانيون للدولة!

❑❑❑

هنا يكمن جوهر الخلاف. وهنا تكمن صعوبة الحوار الوطني الموعود، وخصوصا بعد الخط التصاعدي في الصراع الذي تجاوز التراشق بالاتهامات الى الاشتباكات المسلحة، وخصوصا ايضا بعد التهديد بتكرار استعمال السلاح للحسم في بيروت وغيرها!

في ضوء كل هذا ليس واضحا كيف يمكن للدولة المشلولة ان تقوم، وكيف يمكن الحكم ان يمارس دوره في هذا البلد المتعوس، وكيف يمكن اي حكومة ان تتفق على أي قرار بعد اليوم وخصوصا عندما سنكتشف سريعا ان مسألة الثلث الضامن او المعطل، يمكن ان تعوق كل شيء لا يجمع عليه اللبنانيون.

واللبنانيون الذين سيمضي وقت طويل قبل ان تتوافر ظروف وتطورات اقليمية ودولية تسمح لهم بالاتفاق على جوهر لبنان ومعناه ودوره وهويته، قادرون الآن بنعمة الله سبحانه وتعالى على تمزيق هذا البلد الذي سيبكونه كما بكى العرب يوما الاندلس!

المصدر:
النهار

خبر عاجل