خطأ النص أسوأ من خطأ الترجمة
كان تقي الدين الصلح واحدا من اعمق رجالات العرب واعقلهم، ومن اكثرهم ثقافة وادبا ومعرفة بحال الامة. ولن امضي وقتا عبثيا في البحث عن تسمية لائقة واكثر دقة، لكن الحقيقة ان تقي الدين الصلح علّم (دون مزدوجين) الملك فاروق الايمان بفكرة العروبة النيرة كمظلة وحدوية شاملة، واغنى ثقافة فؤاد شهاب بقواعد التعامل مع العرب، ووسع في آفاقه عن احوال المسلمين وسبل دعوتهم الى الايمان بفكرة لبنان من دون التخلي عن ثقافة الامة.
وعلى رغم قربه من الشهابيين ومكانته في الشهابية، لم يتخل تقي الدين الصلح المليء طموحات سياسية وحنينا الى المرحلة الصلحية، عن مُثله وخُلقه. وكان وزيرا للداخلية عندما خاض ريمون اده معركة الحريات ضد الشهابية، ورفض الوزير اي ضغط على العميد وتركه يفوز باصوات محبيه. ودفع الثمن غاليا.
عندما اشتعلت الحرب، وتقدم القتل واختفى الاوادم، جاء تقي بك يحضر اجتماعا لبعض زعماء الاحياء، فالتفت اليه احدهم وقال بلهجة القتلة: "يا تقي بك، نحن هنا بصفتنا مقاتلين، انت تحضر بأي صفة"؟ فرد اللماح فورا: "انا يا صاحبي جئت امثل المقتولين".
من يمثّل ميشال سليمان؟ ثمة تيار في البلد يسعى الى حصر حصة رئيس الجمهورية بوزير واحد، على اساس انه لا يملك كتلة نيابية، صغيرة او كبيرة. وواضح ان بعض التيارات يعامل رئيس الجمهورية كأنه لا يمثل احدا ولا شيئا. وكاد البعض يقول انه هو الذي عينه في المنصب، فماذا يريد اكثر من ذلك، وبأي حق "تمثيلي" يريد تسمية وزراء لنفسه؟
هذا الكلام، وهذا الموقف، وهذا التفسير، مثل سواه، هرطقة على الدستور وعدوان على الجمهورية. الرئيس ليس نائبا ولا مجموعة نواب. فهو بمجرد ان يؤدي اليمين ويتسلم الامانة، يصبح ممثلا لجميع اللبنانيين وامينا على سلامة بلدهم وشرف دولته وقائدا اعلى لقواتهم المسلحة ورقيبا على اداء المؤسسات، وناطقا باسم الجمهورية والشعب لدى الامم. فعندما توجه الدول، او المنظمات، الدعوة الى لبنان، لا تبعث بها الى رئيس كتلة نيابية، ولا الى زعيم شعبي، ولا الى مجموعة من الزعماء، لان مئة ارنب لا تشكل حصانا واحدا، على قول المثل الروسي.
الجمهورية ليست فقط دستورا. انها، خصوصا، مجموعة تقاليد واخلاقيات وسلوكيات متوارثة. فالتحديث والتطوير لا يشملان الآداب والاخلاقيات والسلوك الوطني. وقد درج لبنان على ان يجير للرئيس، على الاقل في البداية، عموم الكتل وجميع النواب. واحدث الامثلة كان عندما صعد الرئيس نبيه بري الى القصر الجمهوري وجير للرئيس اميل لحود جميع نواب كتلته في تسمية رئيس الوزراء. ومعظم الرؤساء جاؤوا الى القصر من دون كتل نيابية تحتكر التمثيل والمصائر: فؤاد شهاب، مثالا، شارل حلو مثالا، الياس سركيس مثالا. وثلاثتهم كانوا من دون ابناء ومن دون اصهار. وجميعهم اختاروا الخروج من العمل السياسي فور الخروج من القصر. وقد تكونت الكتلة الشهابية بعد انتخاب الجنرال شهاب وليس قبله.
وثلاثتهم تركوا آثار الحكمة والروية والترفع، ومضوا دون شعبية او ازلام. وتقريبا ماتوا فقراء. ومن غير ان تعلق على اظافرهم آثار دماء. ومن غير ان يتركوا في باحة القصر الجمهوري جثث الشهداء طوال عقدين، قبل ان يعثر لها على مثوى وتتلى عليها صلاة.
رئيس الدولة رمز لا فريق. مهمته التعامل مع المصير وليس مع المخافر والمخاتير. لا يستطيع ان يكون حاقدا ولا ثأريا ولا فرديا. بمجرد ان يرفع يمينه امام النواب وامام الناس، يترك امسه خارجا، ويترفع على ذاته لا على الآخرين، وينسى نفسه لكي يصير كل النفوس الطيبة ويسهر عليها ويحرس الوطن من النفوس المريضة.
من الآن والى ان نبدأ بانتخاب الرئيس بالاقتراع العام، نحن نظام ديموقراطي يختار فيه النواب رئيس الجمهورية. هذا يحول دون وصول جورج بوش باصوات صندوق في فلوريدا منتصرا على رجل في كفايات آل غور، ويحول دون وصول صدام حسين بنسبة مئة في المئة في بلد رش فيه الاكراد بغاز السيانيد ورشق فيه 60 الف شيعي بطائرات الهليكوبتر، وارسل صهره يدنس المقدسات في كربلاء، ومع ذلك كله، مئة في المئة. فهذه البلاد التي نشأت فيها اولى الحضارات المدونة في التاريخ واولى وصايا الدولة، قيض لها خلال ثلاثة عقود، حاكمان: عبد الكريم قاسم، او الزعيم الاوحد، لا زعيم الا هو، او "ماكو زعيم الا عبد الكريم"، وصدام حسين، الذي كان يمنع اهالي المعتقلين السياسيين الذين يموتون في السجون، من اقامة مجالس عزاء لهم.
حمى النظام البرلماني، على علاته وعلى رغم العبث به، البلد من وصول حاكم مُنزَل. وقد خرج أتقى الرؤساء وانقاهم من بين البسطاء ورأوا في الرئاسة كتابا يحملونه بيمينهم. فؤاد شهاب بدأ مباشر محكمة في جونيه. وشارل حلو بدأ صحافيا. والياس سركيس كان لا يزال في غرفة على السطح عندما تعرف اليه فؤاد شهاب، الباحث عن ذوي الضمائر.
سقط فؤاد شهاب في قلوب الناس عندما بدأ المكتب الثاني يحوك حوله رسما كاريكاتوريا في رسوم الدمى في العالم الثالث. الرجل البسيط الذي لا هم له سوى الناس اصبح على اللافتات المرفوعة – بخط واحد – في شوارع بيروت "فخامة اللواء الرئيس الامير فؤاد عبدالله شهاب". الحريات التي يقوم عليها لبنان اصبحت تحت باب "للضرورة احكام". ومع ذلك كان ضمير فؤاد شهاب من الدعة، بحيث انه لم يفكر في شيء سوى اللبنانيين. غالبا غصبا عنهم.
حال النظام البرلماني، على رغم علاته، على رغم الصناديق الملفقة، وعلى رغم حق الشفعة الاقطاعية المتمادية في الغرور والاستعلاء، حال دون تأليه الشخص وتحويل وجهة العبادة من السماء الى عبد الكريم قاسم. مدهشة وجميلة ووادعة كانت صورة ميشال سليمان، عندما عاد الى منزل والديه في عمشيت. بيت الناس والام المترضية على الابن والبسطاء الذين جاؤوا يزورون رجلا كان يسكن في الجوار وصار يقطن في كنف العَلَم.
هؤلاء هم كتلة ميشال سليمان. وهؤلاء هم من يمثل. وجميعنا نخطئ. لكن الخطأ في الترجمة ليس اطلاقا كمثل الخطأ في النص.