حق الاجتهاد والغاية منه
للحديث بالنظام أسبابه ومبرّراته مع كلّ محطة من محطات النقاش السياسي التي تنعكس على الواقع الدستوري والقانوني، لا سيما أن هناك من يسمون أنفسهم أو يفضلون أن يطلق عليهم صفة حزب "الكتاب" أي الدستور ونصوصه وتفسيراتها والقوانين والأنظمة والاجتهادات التي تشرح آلية التطبيق، وإن كان هؤلاء قد أصبحوا في عصرنا الحالي قلة قليلة قد يؤخذ برأيهم أو لا يؤخذ.
وإذا كان باب الاجتهاد بقي مفتوحاً في الشؤون الدينية على قاعدة "الأجر للمجتهد المخطئ في اجتهاده والأجران للمصيب"، فلماذا لا يتحمل بعض السياسيين اجتهادات البعض الآخر ويصل به الأمر إلى حد "التكفير" اذا كان يخالفه الرأي؟.
والدافع إلى طرح هذا السؤال هو الجدل "البيزنطي" الذي يمارسه بعض الساسة كلما برزت في الأفق مسألة لا تتناسب مع مشروعه وتكتيكه السياسي الآني الذي يطرحه في مرحلة من المراحل والتي ربما، بل من المؤكد، أنه سيخالفها في مرحلة أخرى اذا لم تكن تصب في مصلحته السياسية.
وقبل الحديث عن النقاش الدائر حول صلاحية مجلس النواب وأحقيته في التشريع في ظل وجود حكومة تصريف أعمال، وكالعادة بروز وجهتي نظر في هذا المجال، لا بد من التذكير بأن الغاية من وجود النصوص والاجتهادات هي المصلحة العامة بالدرجة الأولى وتسيير شؤون العباد والبلاد، ففتح باب الاجتهاد الديني جاء على خلفية تسهيل شؤون العباد من الفقهاء والعلماء أصحاب العلم والمعرفة الواسعة في نصوص القرآن الكريم، وكذلك الأمر بالنسبة إلى أساتذة القانون الدستوري الذين أطلق عليهم تسمية "الفقهاء في علم القانون والدستور" لخبرتهم والقدرة والمعرفة التي يتمتعون بها في شرح آلية تطبيق النصوص الدستورية والقانونية وتفسيرها.
وبالعودة إلى النقاش الدائر حول جلسات التشريع في ظل وجود حكومة تصريف الأعمال، فإن غياب النص الواضح في هذا السياق أو غيره يفتح الباب على مصراعيه أمام الاجتهاد، وبالتالي، فإن السوابق التي تصبح بمثابة الأعراف تؤكد احتمال الأمرين معاً ويبقى معيار المصلحة الوطنية الكبرى هو الذي يحدد اتجاه السير في أي من الاحتمالين (حصول التشريع أو عدمه)، لا سيما أن نظامنا الديموقراطي البرلماني القائم على مبدأ التوافق السياسي بالدرجة الأولى يجعل هذا العامل هو المرجح في أي خطوة ستتخذ.
وإذا كانت الأجواء والمعلومات التي تحدثت عن أن رئيس مجلس النواب نبيه بري قد يدعو المجلس إلى عقد جلسة تشريعية مطلع الشهر المقبل، وذلك على خلفية اقتراح القانون المعجل المكرّر المقدم من تكتل "التغيير والإصلاح" والمتعلق بإقرار تقسيم الدوائر الانتخابية وفقاً لاتفاق الدوحة، وكذلك تمديد العمل بقانون الإيجار حتى آخر السنة وغير ذلك من اقتراحات القوانين والمشاريع الملحة، فإن أحداً لا يستطيع أن يجادل في هذا الأمر إذ ان دعوة المجلس للانعقاد منوطة برئيسه، الا ان الفارق يبقى شاسعاً بين توجيه الدعوة والانعقاد بحد ذاته، بحيث نصت المادة 34 من الدستور على ما يلي: "لا يكون اجتماع المجلس قانونياً ما لم تحضره الأكثرية من الأعضاء الذين يؤلفونه وتتخذ القرارات بغالبية الأصوات، وإذا تعادلت الأصوات سقط المشروع المطروح للمناقشة"، ومضمون هذا النص واضح لجهة تأمين نصاب الجلسة بـ65 نائباً لتنطلق، وبالتالي فإن ترجمة تطبيق هذا الأمر تحتاج إلى التوافق السياسي أولاً.
وفي هذا السياق، لا بد من التذكير أيضاً وبالنظام بنصوص المواد 109 و110 و111 من النظام الداخلي للمجلس النيابي، فالمادة 109 تقول: "للرئيس طرح الاقتراح أو المشروع المعجل المكرّر على المجلس في أول جلسة يعقدها بعد تقديمه حتى ولو لم يدرج في جدول الأعمال".
أما المادة 110 فتقول: "للحكومة ولأيّ من النواب مع تقدم مشروع أو اقتراح قانون أن يطلب بمذكرة معللة مناقشته بصورة الاستعجال المكرّر شرط أن يكون مؤلفاً من مادة وحيدة".
أما المادة 111 فتنص على الآتي: "للحكومة وحدها حق طلب ارجاء البحث بالموضوع المعجّل إلى الجلسة القادمة وعلى الرئاسة إمهالها دون استشارة المجلس".
وهنا لم يميّز النص بين الحكومة العادية وحكومة تصريف الأعمال، وبالتالي فإن مبدأ الفصل والتعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية يبقى قائماً.