#adsense

حقائب النار والبارود؟

حجم الخط

"حقائب" النار والبارود؟!

ليس المهم أن يصدر نواب "حزب الله" بيانا يدعو الى ضرورة الاسراع في تشكيل الحكومة الجديدة، بل المهم ان يساهموا فعلا في تشكيل هذه الحكومة عبر تسويق روح التعاون في اوساط حلفائهم المعارضين.
واذا كان البيان المذكور قد شدد على التشكيل بهدف "تلافي التداعيات الامنية وتأثيراتها السلبية على انطلاقة العهد الجديد وعلى الاستقرار السياسي في البلاد"، فإن من الضروري التأمل مليا في ما اذا كانت خطط التوتير الامني والاشتباكات المتنقلة، التي تدفع لبنان الى جحيم الحروب المذهبية، ستتوقف فعلا مع ظهور الحكومة العتيدة.

في الواقع ليس مؤكدا ولا مضمونا ان في وسع الحكومة العتيدة، التي ستكون عناصرها او بالاحرى "حقائبها" محشوة بـ"النار والبارود"، ان توقف التداعيات الامنية وخصوصا بعدما دخل السلاح على خطوط السياسة الداخلية وحساباتها والمراهنات، انطلاقا من بيروت والجبل ووصولا الى طرابلس التي تقرع ابواب الكارثة المجنونة مرورا بالبقاع الذي قد تجندله الطوابير الخامسة في اي لحظة.

❑ ❑ ❑

أما مسألة الاستقرار السياسي في البلاد، فقد بات واضحا ومفهوما عند الجميع انها لا يمكن ان تتوافر او تقف على ارض صلبة وراسخة ما لم يتم التفاهم بين اللبنانيين، ليس على بازار الحقائب الوزارية والمحاصصات في السلطة المتآكلة يوما بعد يوم، بل على لبنان واي لبنان نريد "لبنان السيد الحر المستقل والقوي ام لبنان تحت الوصاية؟"، وهو ما اشار اليه في شكل صريح وواضح الشيخ نعيم قاسم اول من امس.

إن اي مراجعة بسيطة لوقائع الصراع والتراشق بالاتهامات بين الاكثرية والمعارضة في العامين الماضيين سرعان ما تكشف كم سيكون "الحوار" (اذاوصلنا اليه) قاسيا وعنيفا، وكم سيكون حوار طرشان عندما نذهب لمناقشة اي لبنان نريد في ظل كل هذا الانقسام وكل هذه المآسي وكل هذه الاتهامات بالعمالة والتخوين، وحتى كل هذه الدماء التي نزفت، أضف الى ذلك كل هذا التقاطع المتوحش للصراعات الدولية والاقليمية على ارض هذا البلد البائس.

❑ ❑ ❑

واذا كان بيان كتلة نواب "حزب الله" قد اشار الى ان المعارضة قدمت عددا من الاقتراحات التي تسهم في تسهيل تشكيل الحكومة، فإن فريق الاكثرية بدوره لا يكف عن القول إنه ابدى ويبدي كل الايجابيات الممكنة للتسهيل وان على المعارضة ان تحذو حذوه.
وكنا نتمنى على الشيخ نعيم قاسم ألا يكتفي امس بمطالبة الرئيس فؤاد السنيورة "بمصارحة الرأي العام عن اسباب تعطيل تشكيل الحكومة وان يكشف اقتراحاته واقتراحات الآخرين"، بل ان يعمد هو الى كشف هذه الاقتراحات وشرح ما يقصد بقوله ان الرئيس المكلف كان دائما يرفض التجاوب في انصاف المعارضة بالحقائب التي تحدث توازنا طبيعيا بين الافرقاء المختلفين!

فعلا، ما هو المقصود تحديدا بـ"التوازن الطبيعي" وكيف يكون "الانصاف"؟ وعلى حد علم الناس، من خلال الاقتراحات التي نشرتها الصحف، ان حقيبة الداخلية كما تم التفاهم في الدوحة هي للاكثرية والمعارضة وللجميع، يتوافقون عليها عشية الانتخابات ويودعونها الرئيس ميشال سليمان الذي تقضي ضرورات قصوى حيوية ووطنية، على ما يفترض، ان يمسك بحقيبة الدفاع، وهو الاقدر على السعي لوقف التداعيات الامنية رغم ان الجيش وقوى الامن صارا يأنسان في ظل الانقسامات المتعاظمة الى الاكتفاء بالتفرج على النار بدلا من اطفائها!!

ثم عندما يخيّر السنيورة المعارضة بين المالية التي طالما قيل انها "مغارة علي بابا" وان الجنرال ميشال عون يحلم بها ويراهن على جعلها منطلقا لكشف الفساد وتعليق الفاسدين على اعمدة الكهرباء (المقطوعة طبعا)، والخارجية التي هي جسر لبنان الديبلوماسي الى العالم حيث يمكن وضع الحدود والسدود في وجه الاميركيين وحلفائهم ومخططاتهم الجهنمية ضد لبنان… عندما يكون الاختيار متاحا امام المعارضة بهذا الشكل والتوزيع الحقائبي مرسوم بالقلم المروّس جدا لاتفاق الدوحة، فلماذا ايحاء عدم الانصاف؟

هذا سؤال جاد وصريح يستحق اللبنانيون ان يسمعوا جوابا عنه سواء من الشيخ نعيم او من الرئيس فؤاد السنيورة، لانهم باتوا غارقين في نوعين من المعميات:
المعميات السياسية وازمتها المستدامة وآخر فصولها مسألة تشكيل الحكومة.
والمعميات الامنية بفصولها المتنقلة وآخرها في طرابلس حيث اتهمت الاكثرية امس "حزب الله" بالسعي الى "اسقاط البند الامني في اتفاق الدوحة" الذي ينص على "تعهد الافرقاء الامتناع عن العودة الى استخدام السلاح او العنف بهدف تحقيق مكاسب سياسية".

واذا كانت كتلة نواب "حزب الله" قد ردت على بيان الاكثرية بانتقاد "التصريحات المذهبية التي تؤكد عمق المأزق السياسي وانهيار برنامج التفرد والاستئثار بالبلاد والاذعان لاملاءات خارجية"، فإن ذلك يؤكد تكرارا ان المشكلة ليست في الحكومة وانما في حقائب "النار والبارود" التي ستتشكل منها.

❑ ❑ ❑

وعندما يبلغ الخلاف درجة الانقسام على اي لبنان نريد وما هو دوره وموقعه وهويته، وكيف تكون علاقاته ووظائفه وثقافته، من الحرام ان نوهم الناس المذبوحين بأزمات السياسة والامن بأن الخلاف هو على تشكيل حكومة جديدة لعهد جديد، من الواضح جدا ان هناك من يريد احراقه قبل ان يقلع!

المصدر:
النهار

خبر عاجل