الأزمة تتجاوز جهود رئيسي الجمهورية والحكومة وقطر متخوّفة
التصعيد انعكاس أثمان مفتوحة إقليمياً
ما لم يطرأ جديد على العلاقات بين المملكة العربية السعودية وسوريا سيبقى لبنان يتقلب على جمر الحوادث المتنقلة من جهة، ولن يشهد ولادة حكومة الوحدة الوطنية قريبا من جهة اخرى. هذا أقله ما تخرج به المتابعات للمواقف السياسية التي يطلقها اعضاء في المعارضة وما ينقل من كلام عن متصلين ببعض المسؤولين السوريين، فحواه ان الثمن الذي يطلبه السوريون هو سعودي في الدرجة الاولى.
ففي الرسائل السياسية التي يوجهها مسؤولون منضوون في المعارضة سواء في "حزب الله" او لدى اشخاص محسوبين مباشرة على سوريا، تهديد مباشر وعلني باعادة تكرار ما حصل في ايار من اجتياح لبيروت ومحاولة اجتياح الجبل في مناطق اخرى وتتسم بدرجة عالية من التوتر ترافق خطاب هؤلاء بحيث يصعب الفهم كيف يتم تهديد الاخرين او الشركاء المفترضين بـ"تأديبهم" عسكريا وبالسيطرة العسكرية ضمنا على كل المناطق اللبنانية بذريعة ضرورة الذهاب الى ما يسمى حكومة الوحدة؟ في حين يلاحظ ربط كل هذه التهديدات المبطنة والعلنية بالمملكة العربية السعودية وان لم يسمها بعضهم علنا.
وهذه التعقيدات يدركها جيدا الوسطاء المحتملون، وقد اتصل رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم ليل اول من امس بالرئيس المكلف فؤاد السنيورة مستطلعاً المراحل التي قطعها الوضع في شأن تأليف الحكومة. ولم يبد المسؤول القطري اي استعداد للمجيء الى بيروت والتدخل من اجل حلحلة العقد الحكومية لادراكه على الارجح ان المسألة تتخطى التعقيدات الداخلية المتمثلة بمطالب المعارضة وفي مقدمها العماد ميشال عون الى التعقيدات الاقليمية، تماما على ما كانت مسألة انتخاب الرئيس العماد ميشال سليمان قبل التوصل الى اتفاق الدوحة الذي تحول فجأة على السنة المسؤولين السوريين انتصارا لدمشق، فحلفائها.
ورجحت مصادر مسؤولة ان تكون ثمة خشية ان يتدخل المسؤولون القطريون ولا ينجحوا في وساطتهم، علما ان كلا من رئيسي الجمهورية والحكومة يتصرف كأنه امام أزمة كبيرة ولا يبديان اي انطباع بان حلها سيكون رهنا بجهودهما وحدها.
اذ انه بات معروفا ان التحرك الاساسي في مأزق التأليف ترك لجهود رئيس الوزراء المكلف اولاً، باعتبار ان ذلك هو مسؤوليته وحده، فقدم ما امكن من اقتراحات رفضتها المعارضة بذريعة او باخرى، ثم دخل رئيس الجمهورية على خط هذه الجهود واستقبل العماد عون في القصر الجمهوري في بعبدا والتقى مرارا رئيس مجلس النواب نبيه بري، كما استقبل الوزير السابق سليمان فرنجيه، لكن الامور لم تتقدم قيد انملة. وتبعا لذلك يشكل لبنان مجدداً ساحة من اجل ان يحصّل الآخرون اثمانا على حسابه لم يدفعها هؤلاء الاخرون بل دفعها الافرقاء في لبنان كل من موقعه، حتى بالنسبة الى "حزب الله" الذي كسب معركة الثلث المعطل لقاء خسارة شرعية عربية ولبنانية لسلاحه بعدما استخدمه ضد اللبنانيين في الداخل. في حين كسبت سوريا انفكاكا للعزلة الاوروبية من حولها وهي تسعى بالاسلوب نفسه الى محاولة الحصول على تطبيع للعلاقات مع المملكة العربية السعودية ومصر .
ولكن ماذا تعني تهديدات المعارضة التي حملتها تصريحاتها الاخيرة في الترجمة الميدانية؟ وهل يفهم من كلامها انها ستقوم بانقلاب عسكري وتضع يدها على المؤسسات الدستورية في لبنان مطيحة عهد الرئيس ميشال سليمان، علما انها تتنصل من الحوادث المتنقلة في المناطق اللبنانية وتتهم الاكثرية بها ؟
تعتقد مصادر ديبلوماسية معنية ان المعارضة قد تكون تشجعت على اطلاق مزيد من التهديدات برد فعل دولي هزيل الى حد بعيد حيال اجتياح بيروت ومحاولة اجتياح الجبل نتيجة غياب قسري اميركي في الدرجة الاولى بسبب الاستعدادات للانتخابات الرئاسية المقبلة. ولكن في المقابل سارع "حزب الله" ومن يدعمه من القوى الاقليمية الى لململة ذيول الاجتياح الذي قام به قبل ان يتاح للقوى الدولية اتخاذ القرارات في ما يتعلق بلبنان وهو حصرها بطابع معين خشية اثارة ردود فعل غير مقبولة عليه وعلى داعميه الاقليميين. وحتى الان يتحمل الحزب بالنسبة الى كثيرين المسؤولية المعنوية المباشرة عن فتح الابواب امام "عرقنة " لبنان عبر الاجتياح العسكري الذي قام به والاحتقان المذهبي الذي حركه بفعل ذلك، علما انه خلال سنة ونصف السنة من احتلال وسط بيروت اثار مشاعر غضب وعداء مذهبيين بقيت مضمرة رغبة من الجميع في عدم الذهاب الى حرب اهلية. لكن السؤال هو: هل يبقى قرار عدم الدخول في حرب اهلية قائما بعد ما يحدث في كل المناطق؟ واليس من اعتبار لوجود رئيس جديد للبنان بحيث تتصرف المعارضة عبر التهديدات التي تطلقها كأن لا رئيس للجمهورية في لبنان ام انها ترغب في اطاحة عهده؟ ام ان كل ذلك هو في اطار التهويل من اجل ان يرضخ المعنيون في الخارج لمطالب المعنيين الاقليميين الذين يعتبرون ان المجتمع الدولي بدأ اخيرا يرضخ لكل الضغوط التي مورست في لبنان الى حد انهاك هذا المجتمع بقضايا لبنان وشؤونه الصغيرة؟
وتعتقد هذه المصادر ان الخطاب التهويلي ذو مفعول عكسي على الاكثرية التي لا تبدو متحمسة للتضحية بأي تنازلات اضافية في الحكومة، في ظل معطيات تفيد بان تذليل اي عقبة بتقديم تنازل ما سيجر الى تزايد العقبات عند كل مسألة وعرقلة الامور على ما يحصل حالياً. فهذا ما حصل بالنسبة الى نيل المعارضة الثلث المعطل وما ستقوم به عند كل تفصيل، خصوصا انها تدخل معركة الانتخابات من الحكومة وعبرها.