إيران تخسر مواقع وأوراقاً إقليمية وتصعّد في لبنان لإسقاط "اتفاق الدوحة"
"حزب الله" يستهدفُ الرئيس والجيش قدر استهدافه 14 آذار
في قراءة متأنية لعدد من التطورات الإقليمية مؤخراً، يمكن تقدير ان إيران تعتبر نفسها خاسرة من هذه التطورات.
في العراق حيث تمضي الحكومة العراقية قدماً في الاتفاقية الأمنية بينها وبين الولايات المتحدة، لا شك انّ إيران التي رفعت الصوت عالياً ضدّ الاتفاقية، تعتبر انّ توقيعها يوجّه إليها ضربة سياسية كبرى. ذلك انّ الاتفاقية عند توقيعها، لا تؤدي فقط إلى تشريع "الوجود الأميركي" في العراق، بل إنّ توقيعها سيؤدي إلى "ترييح" واشنطن بما يمكّنها من "التفرّغ" لإيران… فضلاً عن سحب ورقة "المشاغلة" الأساسية لأميركا من يد طهران.
وفي فلسطين، وبالرغم من البطء الذي يتّسم به مسار استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية، وإعادة أوضاع السلطة إلى ما كانت عليه قبل "إنقلاب غزّة" في حزيران من العام الماضي، فإنّ هذا المسار قد رُسم وهو معاكسٌ لما كانت الأمور عليه خلال عام.
خشية إيرانية من دينامية المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية
أمّا المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية، فصحيحٌ انّ إيران ـ في موقفها الرسمي ـ لا تمانع في حصولها "خاصة إذا تمكنت سوريا عبرها من إستعادة الجولان"، وصحيحٌ انّ إيران ـ في العمق ـ إمّا لا تتوقّع وصولها إلى أي نتيجة، وإمّا أنّها لا تأمل في وصولها إلى أي نتيجة، بيد انّ طهران تخشى بقوة من "دينامية" هذه المفاوضات حتى لو كانت غير مباشرة حتى الآن. وبكلام آخر، فإن الخشية الإيرانية هي من إضطرار النظام السوري إلى "مراعاة" متطلبات مساره التفاوضي مع إسرائيل الذي يريد منه أن "يصله" بواشنطن، ما يجعل سوريا خارج حسابات المواجهة بين إيران وأميركا والمجتمع الدولي إذا كانت هذه المواجهة ستقع بالفعل.
تزايد إحتمال الضربة الإسرائيلية؟
في التطورات الإقليمية المتسارعة مؤخراً، تخسر إيران "مواقع" و"أوراقاً" إقليمية. ويحصل ذلك، في ظل تزايد الحديث عن ضربة عسكرية يمكن أن توجهها إسرائيل إلى إيران، بتنسيق مع الولايات المتحدة. وإذا كان صحيحاً انّ إيران لا تزال حتى اللحظة تستبعد عملاً عسكرياً ضدها، فإنّها "تسمع" بلا شك التهديدات الإسرائيلية المتنامية، و"تسمع" وتقرأ التقارير الآتية من واشنطن والتي تفيد انّ الجهة الأكثر تشجيعاً في أميركا لضربة عسكرية ضد إيران هي الحزب الديموقراطي، الأمر الذي يعني انّ هذا الإحتمال سيكون مطروحاً بقوة إذا فاز المرشح الديموقراطي في الانتخابات الرئاسية ما لم تكن الإدارة الحالية قد أجازت الضربة في الفترة الفاصلة عن انتهاء ولايتها.
"حزب الله" ورقة تهديدية
وخسارة إيران هذه المواقع ـ الأوراق الإقليمية، يجعلها في هذه المرحلة تنظر من حولها فتجد انّ ورقتها الوحيدة الآن هي "حزب الله" في لبنان، فبِه تستطيع أن تصعّد وأن تهدّد.
ليس خافياً انّ إيران كانت وافقت على "إتفاق الدوحة" قبل العديد من تلك التطورات الإقليمية، وإذا بها بعد "إتفاق الدوحة" تكتشف تحولات ـ وإن تكن غير راسخة تماماً ـ تحصل في "فنائها" السياسي الحيوي. وفي هذا الإطار، يمكن قراءة "قرار إيراني" بـ"إسقاط" هذا الإتفاق أو "تعليقه". وكي يكون القرار "مدوّياً" أو كي يكون وقعُه مدوياً، يجب أن يكون تنفيذه "حامياً جداً" وأن يظهر من التنفيذ أن لا خطوط حمراً وأن لا عوائق وانّ كلّ شيء مباح ومتاح، بما في ذلك على مستوى "الخطاب" ونبرته، وعلى صعيد الإحتكاك المذهبي بـ"الحديد والنار"، وعلى صعيد التهديد بتوسيع "المعركة" إلى حدّ إستهداف دول عربية.
"الجناح السوري" حتى زيارة الأسد إلى باريس
في إطار هذا التصعيد الإيراني عبر "حزب الله"، لا بدّ من "ملاحظة" أنه يتم إشراك "الجناح السوري" فيه. وهذا الإشراك يحصل بـ"وسائل" عدة منها دفع "الجناح السوري" إلى الإنخراط فيه. ويستندُ ذلك، في السياسة، إلى انّ النظام السوري الذي قد يعتبر نفسه مستفيداً في حال فرض أمر واقع معيّن كما استفاد على ما يبدو من "غزوة أيار" للظهور بمظهر "معتدل" (!) قياساً إلى إيران، لم يعطِ بعدُ قراراً بتسهيل تنفيذ بنود "إتفاق الدوحة" لا سيما البند المتعلّق بتشكيل الحكومة. لكنّ إيران و"جناحها" يخشيان من أن تكون زيارة رأس النظام في دمشق إلى باريس الشهر المقبل محطة "فاصلة".
تأسست الدعوة الفرنسية إلى بشار الأسد على انه سهّل الإنتخابات الرئاسية اللبنانية. بيد انّه لا يستطيع أن "يواجه" ـ أي أن يلتقي ـ الرئيس نيكولا ساركوزي ولا يزال "إتفاق الدوحة" غير منفّذ بسبب تعطيل "المعارضة" بجناحيها. ولذلك ثمّة ما يشبه السباق مع الوقت لدى إيران و"حزب الله".
في ضوء المقدمات الإقليمية الآنفة، يمكنُ إذاً إستنتاج انّ لتصعيد "حزب الله" سياسياً وأمنياً في لبنان، بُعداً إيرانياً واضحاً.
"الهاوية" في الداخل اللبناني
بطبيعة الحال، ولأنّ إيران تعرف تماماً انّ التصعيد ضد التطورات الاقليمية لا يمكن أن يتخذ صيغة فتح الجبهة مع اسرائيل من جنوب لبنان، فهي ترعى التصعيد بواسطة "حزب الله" باتجاه الداخل اللبناني لاعبة ليس على حافة الهاوية بل في الهاوية وإسقاط "إتفاق الدوحة" يتطلب منع تنفيذ بنوده الدستوريّة والسياسيّة والأمنيّة التي تشكل مقدمات لنهوض الدولة، أي مقدّمات إستعادة البلد الى سياق طبيعيّ.
إضعاف سليمان و"هركلة" الجيش
في هذا السياق، لا تخفى الاستهدافات الحزب اللهيّة في اتجاهين رئيسيين.
رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان مستهدف بالدرجة الأولى، لأن المراد منه حزب اللهيّاً ألا يكون توافقياً من ناحية، وأن يكون أسيراً للمعادلات المرسومة إيرانياً عبر "حزب الله" من ناحية ثانية، وألا يظن في أي لحظة من اللحظات أن في وسعه رعاية عملية قيامة الدولة على الأسس التي أوردها في خطاب القسم من ناحية ثالثة. ما ينشده "حزب الله" إذاً هو إضعاف الرئيس كي لا يشكل "حجر الزاوية" على الصعيد العام اللبناني.
والجيش والقوى الأمنية مستهدفون أيضاً. والتهديدات التي أطلقها مسؤولون في "حزب الله" في الآونة الأخيرة تؤكد هذا الاستهداف. غير أن ثمة ما هو أهم وأخطر من التهديدات الخطابية، أي العمليات العسكرية والأمنية المتنقلة التي لا تستنزف الجيش والقوى الأمنية فقط، بل تهدف الى "هركلة" الأمن الشرعي ووضعه في مواجهة مع الناس. أما عنوان "الولاء للمقاومة" فليس سوى مظلة لعملية تدمير منهجي لولاء القوى الأمنية للدولة. ولذلك فإن الحرب "الشعواء" التي يخوضها "حزب الله" من خلف الجنرال عون ضد عودة الوزير الياس المر الى وزارة الدفاع، إنما تهدف الى إجهاض جهود تطوير بناء المؤسسات العسكرية والأمنية في خدمة الدولة والمواطن.
من الطبيعي أن أكثرية 14 آذار مستهدفة لذاتها وفي حد ذاتها كونها "المشروع الآخر". بيد أن إستهدافها يصبّ في خانة إستهداف الرئيس سليمان، على أساس أن ضرب التوازن السياسي بالقوة العسكرية يضعفه و"يسجنه".
"هراكيري"
مما تقدّم، يتبيّن ان التصعيد الإيراني ضد التطورات الإقليمية، بواسطة "حزب الله" وعبر إسقاط "إتفاق الدوحة"، يدفّع البلد أثماناً باهظة بالتأكيد، لكنه في الوقت نفسه بمثابة تصعيد "مضطرب" أو "يائس". ذلك ان فريقاً يعتبر نفسه قوياً لا يمكن أن "يرمي" قوته على النحو الحاصل هذه الأيام، ولا يمكن أن يتصرّف على أساس "أنا ضرّاب سيوف" أو "أنا قبضاي" لأن "العقل من شجاعة الشجعان".. عادة.