قصة قديس: القديس شربل
اقتباس ربيع يعقوب (الحلقة السادسة)
لقد حلم شربل بأن يصير حبيساً فتحقق الحلم، واشتاق الا يكون له سوى الله فلم يكن له سواه. بيد انه لم يكتف ولم يطمئن. فماذا ينقصه بعد؟ كان شربل يخشى ان يكون قد عمل برأي نفسه يوم اختار المحبسة، وعطف رؤساءه جعلهم يوافقون على رغبته الشخصية. لذلك عمد، لقاء هذا الإنعام، الى إفناء ذاته في طاعة تامة لرسوم رهبانيته، وفي افراغ نفسه من ماضيه، ومن عائلته، وحتى من عشرة اخوته الرهبان، ومن العالم، ومن ذاته.
صفة هذا الزهد انه مطلق شامل. شربل الحبيس يعيش بالقرب من الدير، ويشتغل في جوار محبسته مع الرهبان والعمال. لكن سوراً منيعاً من الصمت والتأمل يفصله عنهم. هنا يعيش عالمان جنباً الى جنب، دون امتزاج او مكالمة، مع انهما منفتحان – كلاهما – ومندفعان صوب الأعماق الإلهية.
الشقيق الزائر
كان شربل الراهب قد امات نفسه بالأمس عن رؤية امه. فكيف سيتصرف ازاء زيارة شقيقه وقد اصبح حبيساً؟
شهد الأب سمعان الأهمجي بما يلي، حرفياً:
– إجا خيو من بقاعكفرا ت يزورو. دقّ عَ باب المحبسي.
– مين؟ سأل الأب شربل.
– أنا خيو للحبيس شربل، من بقاعكفرا.
– صبور تَ شوف كنّو الحبيس هون.
راح لعند بونا مكاريوس يقلو:
– خيي عَ الباب، بقدر بفتحلو؟
– معلوم، معلوم، يا معلمي، عم تطلب مني اذن!
مقابلة خيو كلفت تلات اربع كلمات:
– كيف حالك؟ قايم بواجباتك الدينيي منيح انت وعيلتك؟
ورجع ع كنيستو.
محظور على اي انسان،مهما كان عزيزاً، وعلى اي شيء، مهما كان ثميناً، ان يلهيه عن مناجاة ربه.
بالطبع كان يحلو لشربل ان يتسقط الأخبار عن قريته، وعن اهله… كم من الأشياء يستهوينا استقاؤها من فم اخ نراه بعد هجران طويل! لكن النعمة تسمو بالإنسان الى ما فوق الطبيعة الإنسانية ومتطلباتها، فتقول مع الرسول: "منذ الآن لا نعرف احداً بحسب الجسد. ان كان احد في المسيح، فهو خليقة جديدة؛ فالقديم قد اضمحل، وكل شيء قد تجدد."
امر واحد يشغل بال الحبيس بشأن بيت اخيه: هل هم متدينون حقاً؟ هذا هو في نظره المطلوب الأوحد، وما سواه هباء قشور.
لكأنه راح يؤنب نفسه على هذا الفضول، فيقف عند هذا الحد. ويعود سريعا الى حديثه مع الله، تاركاً لزميله في المحبسة القيام بواجب الضيافة! …
في ما بعد، ستحاول ابنة اخيه وردة ان تعكر صفاء عزلته بمشكلة عائلية ناجمة عن حصة عمها شربل بإرث والدها. لكن الحبيس اجاب وردة من داخل محبسته دون ان يراها او تراه: "ما عاد لي علاقة بالدني. خيي مات السني. وانا مت من يوم ما تركت الضيعة. والميت لا بيورت ولا بيورت."
هذا الإنسلاخ عن ماض، وعائلة، وام، واخ، وابنة اخ، لا يحصل من غير تمزق، ومن غير جراح في القلب. ان ظواهر قساوة الأب شربل هذه، حملت البعض على الزعم انه جافي الخلق، فرأوا فيه بطلاً بلا قلب. في هذا الحكم اجحاف بروحانية شربل الوديع. الحق ان احتمال قطيعة جذرية كهذه والتسامي فوق الطبيعة الى هذا الحد، ليتطلبان من الشجاعة وسمو القلب ما يدهش! … .
نزول عن الجبل
بعد ان انقطع شربل عن الناس، شرع يتجرد عن دنيا الناس وما فيها، وعن مباهج الطبيعة وجمال العالم الخارجي. يروي لنا الخوري ميخائيل ابي رميا، انه بعد رجوع الحبيس من عيادة ابن الشيخ سلوم الدحداح ، سأله الخوري ميخائيل:"نشالله نبسطت بهالمشوار، يا بونا شربل، شو في جديد، خبرنا؟"عفوياً اجابه الأب شربل:"رحت من هون رايح وجيت من هن جاه."
لربما كان الحديث عن رحلته احب الى السائل وافعل في نفسه من هذا الجواب الجاف الغريب عن احاديثنا المفاضة المألوفة! انما القانون صريح جازم:"على الحبيس ان يلزم الصمت اطلاقاً. في حال الضرورة، فليتكلم بصوت خافت وبإيجاز."
الناسك هو محبوس او اسير بإختياره. فلن يستطيع ان يغادر محبسته إلا بأمر خطي من رئيسه. بناء على هذا الأمر نزل شربل عن القمة مطواعاً. ما ضاره ان يغادر الصومعة وهو يحمل عزلته في قلبه؟
مشى نهاراً كاملاً عبر جبال "المشنقة" ووادي نهر ابراهيم، سبحته في يده، واسكيمه منسدل على جبينه. جاز قرى عديدة عرفه اهلها مندهشين. هذه سيدة، طفلها على ذراعيها، تسرع اليه هاتفة: "بحياتك يا بونا المحترم، باركلي هالصبي!" وذاك قروي يقدم له ابريق ماء."من فضلك يا بونا، صليلي ع هالمويات، عنزاتي عن يموتو! شاع الخبر في القرية:" تعو تفرجو، هادا حبيس عنايا!" انما هذا الجو العابق ببخور الثناء راح يضغط على رئتي الناسك. الثناء جرح على تواضعه. حبيس ومجتمع؟ حبيس وعالم صاخب؟ انه لوضع شاذ! عليه بالفرار والعودة سريعاً… ولكن مثل المسيح مبشراً يلمع في باله: اليس من المستحب المفيد ان يقف ويتحدث الى هؤلاء القرويين الطيبي القلوب! انما الأمر ليس بيد من يشاء. لقد دعي ليكون حبيساً. يجب عليه كموسى على الجبل، ان يبسط ذراعيه، مصلياً عن شعب يكافح ويتألم. هناك عهد اذن، يلزم شربل بالحرمان من كل عزاء دنيوي، حتى عزاء التبشير بالإنجيل، والتعبير عن الذات بالكلام، والإستغناء بالعطاء. وحده الله غناه. ترفع العالم كل نفس تصل الى مستواه. كم من نفس صامتة في عزلة ، انفع واهدى من صوت واعظ مأخوذ بسحر الكلام!
أقل من القليل
مهاجر لبناني يؤمّ عنايا بعد غياب ثلاثين عاماً. كان متعطشاً الى تقصي الخبر، متسائلاً بدهشة: إن يوجد انسان في عصرنا يعيش بطل تقشف، على غرار بولا وانطونيوس، محض جنون او حديث خرافة.
بعد ان سمع وتبحر راح يستفسر الراهبين الدليلين في الدير وفي المحبسة:
– اذا اردت، قال الراهب، ان تلخص في كلمتين حياة هذا البطل في معركة السماء لقلت: انه جهد متشدد مستمر، حتى الرمق الأخير، في حط احتياجات الطبيعة ابعد من حدودها القصوى.
– اذن، اجاب المهاجر، كان شربل يعيش وفق آية مار بولس:" يكفينا القوت والكسوة"؟
– لقد تاهت كلمة "قوت"في حياته ،عن معناها الأصيل. راحت تدل على تقوت بوجبة واحدة في اليوم ربما انف منها اهل الفاقة بالذات. بلى، هكذا اقر شهود العيان جميعاً.
– هل لك ان تتكرم بقص احدى الشهادات.
– على الرأس والعين. اليك شهادة الأب سمعان ابي بشارة من ايطو:
"فور وصولي الى المحبسة، دخلت كنيستها حسب عوايد رهبانيتنا، فوجدت الأب شربل راكعاً مصلوب اليدين … وبعد الظهر وقت غداء الحبساء، جلس الأب شربل ورفيقه الأب مكاريوس المشمشاني لتناول وجبتهما من الطعام، وجلست انا معهما. وكان الغداء "يخنة بطاطا سايطة". فأخذ الأب شربل يتناول الرغيف المحروق، وكسر الخبز ويجعلها في قصعته بكل تأن. فرثيت له في قلبي، وكادت الدموع تتساقط من عيني لشدة التأثر."
وكما في القوت كذلك في الكسوة! ثياب الحبيس عباءة خشنة بائخة اللون، عتيقة مرقعة لكنها نظيفة لا تستر سوى البسة قطنية غير صالحة لحمايته من الصقيع.
– هذا، علق المهاجر، قد تعدى الأقل من الضروري.
– لم اصف لك بعد كل لباس الناسك. ما ادراك ما كانت تخفي هذه الثياب! على الجلد مباشرة كان يرتدي الأب شربل ما يسمى "مسحا"في لغة اباء البرية… (المسح نسيج سميك من شعر الماعز يلبسه المتقشف على جلده طمعاً بنخذاته المؤلمة.)
الى ان تناول الكلام فراش الحبيس. لا يمكن ان يدعى الشيء الذي ينام عليه فراشاً:
"دخلت قلية الحبيس، يشهد الأخ جواد، ورأيت فراشه. وهو ورق عفص وسنديان فوقه "فجة بلاس"(قطعة مسح من الشعر) مغطاة بقطعة من اللباد عتيقة. ووسادته فلقة من الحطب مكفنة بخرقة عباءة سوداء."
– ما كان يخطف من النوم على هذا الفراش؟
– القانون يسمح بخمس ساعات كحد اعلى. الأب شربل يكتفي بثلاث ساعات.
ذات يوم طلب "محرمة" من رئيسه. فقال له الرئيس:
– "في بالمحبسي محارم كتير تقادم. ليش ما بتاخد منن؟"
– "ما باخد شي إلا بإذنك، يا بونا الريس."
قال المهاجر:
– كيف عاش في هذا التقشف الصارم؟ اما كان من راحة لجسده مدى العمر؟
– الراحة؟ هي كلمة غريبة عن قاموسه. فإن لم يكن في شغل يدوي، كان في الصلاة، جاثياً على المسجد الغريب في مصلاه الوضيع.
– وما تعني بكلمة "مسجد غريب."؟
– انه طبق من قصب شائك، عليه يسهر جاثياً لياليه الطوال مع الملائكة الذين لا ينامون.
اما رفاهية مسكنه فلا تسل عن وجودها. ما الصومعة إلا حبس مؤبد حكم فيه الناسك على نفسه طوعاً واختياراً بالأشغال الشاقة. قلية الحبيس ستة امتار مربعة. اثاثها الباس المذكور، وابريق ماء، وسراج زيت من الفخار، وقصعة وملعقة خشب وصليب قديم على الحائط الترابي،تحت سقف خشبي اسود كجنح الغراب .
كان كتاب العهد الجديد، عند شربل، كتاباً متفجراً بالحياة والروح، لا حرفاً ميتاً في خاطر النسيان والإهمال. فيه يتذوق ويعيش، بكل ما للكلمة من معنى، آية بولس الرسول:"انني اكمل في جسدي ما ينقص من آلام المسيح."شربل واع في قرارة روحه انه عضو في جسد المسيح المتألم.
هنا استدرك المهاجر وقال:
– لربما قد توصل الى عدم الشعور بالألم الجسدي؟
– كان بشهادة جميع معاصريه، يحس بالعطش، والجوع، والبرد، والنعس، والتعب، قائلاً مع الرسول:"انني ازداد فرحاً وسط اوجاعي".
… وسمع احدهم المهاجر يردد في الطريق:
– عجيب، غريب! اكاد لا اصدق.