تقويض اتفاق الدوحة تمهيداً لإسقاطه
تكثر التساؤلات في الآونة الأخيرة عن حقيقة ما يجري في البلاد وعن أسباب هذا التعثر الحاصل في استكمال تنفيذ بنود اتفاق الدوحة وخاصةً في مسألة تشكيل حكومة العهد الأولى .
لقد انتجت الضغوط المتراكمة على سوريا منذ العام 2005 عربياً اوروبياً وأميركياً ، على خلفية عرقلتها للحلول في المنطقة ، انتخاباً للعماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية بعد مخاض عسير وفي لحظة اقليمية ودولية استفاد منها اللبنانيون لإعادة الوضع الداخلي الى شيء من طبيعته ولتأمين استمرارية المؤسسات الشرعية، وذلك بعد أن ضاق هامش المناورة أمام سوريا مع اقتراب انطلاق عمل المحكمة الدولية وازدياد الضغوط الدولية على حليفها الإيراني في الملف النووي .
تأسيساً على ذلك يبرز الى العلن وكلّما اقترب موعد انطلاق عمل المحكمة الدولية مزيد من التباين بين الموقف السوري والموقف الإيراني من المواضيع المطروحة في المنطقة وهذا ما ينعكس على تحرك حزب الله وحلفائه في الداخل اللبناني .
فمراقبة الأحداث الجارية مؤخراً في المنطقة تظهر أنّ سوريا تقدّم منذ مدة التنازلات الجوهرية ولو من دون تضخيم ذلك اعلامياً وذلك بهدف حماية نظامها وابعاد نفسها عن دائرة الخلاف الإيراني الأميركي بعد أن استنفدت سوريا استفادتها من تحالفها مع ايران وأصبحت الآن على أبواب مواجهة مع الاستحقاقات المصيرية التي تواجه نظامها .
فلقد تعاونت سوريا في موضوع اعادة الهدوء الى العراق والتخفيف من العمليات ضد الجيش الأميركي ، كما توقفت عن مواجهة الجيش الاسرائيلي عبر إقرار هدنة بين حماس واسرائيل وهي بالتالي قد تكون مستعدة للتخلي عن المقاومة الاسلامية في لبنان في حال أدّت المفاوضات مع حكومة اسرائيل الى الوعد بإعادة الجولان ولو ضمن شروط معيّنة وفي حال اعطيت ضمانات بالحفاظ على نظامها وحماية رؤوسه من شبح المحكمة الدولية .
حزب الله في المقابل يشعر بهذه المتغيرات منذ اغتيال أحد قيادييه عماد مغنيه في سوريا وهو يقرأ ما يمكن أن تؤدّي اليه التطورات في المنطقة ، وهنا يأتي اجتياحه لبيروت وهجومه على الجبل وتحريك الوضع في البقاع والشمال وغيرها من المناطق اللبنانية بغية فرض أمر واقع جديد من ضمن خطة استباقية تعطيه أوراقاً اضافية لضمان عدم التضحية به على مذبح التسويات الأقليمية .
من هنا فإنّ كل المسائل الخلافية ومن ضمنها الوضع الحكومي ، يبدو أنها ستبقى معلّقة بانتظار نتائج الفاوضات السورية الإسرائيلية تحت الرعاية التركية ، والمفاوضات الأميركية الإيرانية في مسألة السلاح النووي .
فتشكيل الحكومة وإغلاق هذا الملف يعني الإنتقال الى البند التالي في اتفاق الدوحة وهو انطلاق لقاءات الحوار برعاية رئيس الجمهورية ووضع استراتيجية دفاعية والنظر بموضوع السلاح وهو ما يبدو أنّ فريق المعارضة يتجنّب الوصول الى هذه المرحلة في الوقت الحاضر طالما أنّه لا يملك الوسائل الكافية لفرض إرادته وكامل شروطه .
لذلك فإنّ ولادة الحكومة ستبقى متعثرة الى حين وضوح الوضع الإقليمي أو الى حين توفر لحظة اقليمية أخرى تسمح بالإفراج عن التشكيلة الحكومية كما كانت الحال بالنسبة الى انتخاب رئيس الجمهورية ، أو على العكس تعيد خلط الأوراق بما قد يطيح بكامل الإتفاق الذي رعته دولة قطر .