قمة روحية … ورؤوس في الرمال!
باستثناء البيان الجيد ولكن العمومي الذي اصدرته "القمة الروحية" يوم الاثنين الماضي بعد انعقادها في قصر بعبدا بدعوة من الرئيس الجديد للجمهورية ميشال سليمان، لا يتوقع اللبنانيون او بالاحرى الواقعيون منهم اي نتيجة عملية يمكن ان تخفف مآسيهم او ان تحول دون انزلاقهم نحو الفتنة بل الحرب المذهبية وربما لاحقاً الطائفية. ولا ينبع هذا من موقف سلبي مسبق من رجال الدين، وتحديدا من المرجعيات الدينية الاسلامية والمسيحية في البلاد، ولا من عدم حيازتها السلاح الثقيل وغير الثقيل رغم بعض الاستثناءات في هذا المجال وتالياً عدم امتلاكها وسيلة تأثير فاعلة على المتقاتلين او المتناحرين، او وسيلة "ضغط" تفرض عليهم الكف عن قيادة البلاد وشعوبها نحو التقاتل اذا لم يكن في امكانهم قيادتها نحو السلام. بل هو ينبع من امور اساسية ومهمة عدة، منها تكاثر المظاهر الايمانية او الطقوس الايمانية عند الناس الذين يفترض انهم مؤمنون وضعف الايمان الفعلي عندهم وعدم ايلائهم لـ"العقوبات" الدينية التي يمكن المراجع الدينية ان تفرضها بحكم مواقعها الاعتبار اللازم.
فعند المسلمين كثر الكلام على الاسلام دين التسامح والعدل مع غير المسلمين وعلى الاسلام الدين الواحد رغم تعدد المذاهب أو الحوار داخل الدين الواحد ومع الاديان الاخرى المختلفة عنه. اما الممارسة فبدت على الاقل حتى الآن مختلفة. فهي لا علاقة لها بالتسامح والعدل والاعتدال وقبول الآخر المختلف سواء كان مسلماً او غير مسلم، وتصبح الجريمة اكبر اذا كان مسلما. ولا علاقة لها بالحوار الذي استعاضت عنه بالقتال او بالتهديد بالقتال من خلال السلاح المكدس وثقافته وان تم تكديسه والتدرب على استعماله تحت عناوين مبررة وطنياً وقومياً وشرعاً. اما عند المسيحيين فان "الحرم الكنسي" الذي كان يخيف المؤمنين، على بساطتهم وسذاجتهم، في الماضي لم يعد يهتم به احد. حتى ان المرجعيات الدينية المسيحية ما عادت قادرة على التهديد به، وخصوصاً بعدما عجز هذا التهديد في اواخر القرن الماضي وربما في اواخر التسعينات منه عن وقف حروب ومجازر اثرت سلباً على لبنان وخصوصاً على مسيحييه. ومن الامور ايضاً انخراط رجال الدين بل المرجعيات الدينية التي لجأ اليها الرئيس الجديد ميشال سليمان اخيراً كما لجأ اليها آخرون قبله وللهدف نفسه الذي هو وقف العنف والحروب والدفع في اتجاه حوار ينتج سلاماً عادلاً لكل اللبنانيين، انخراطها ليس في السياسة فحسب بل ايضاً في الصراعات السياسية واحياناً كثيرة في الترجمة العنفية لهذه الحروب سواء مباشرة او من خلال التحريض الذي لبس لبوس الدين.
ففي الحروب الاهلية وغير الاهلية التي شهدها لبنان بين 1975 و1980 اضطلع الجسم الرهباني المسيحي بدور بارز مع فريق ضد افرقاء آخرين محليين وخارجيين اولا على صعيد التعبئة الشعبية المنطلقة من تزاوج الدين والوطن. وثانياً، على صعيد توفير الامكانات المادية والتسليحية. وثالثاً، على صعيد تغطية الخيارات السياسية والاقليمية على خطورتها. ولم يتوقف هذا الدور الا بعد انتهاء الحرب بهزيمة مسيحية عسكرية وبداية تقهقر مسيحي سياسي وربما وجودي رغم اتفاق الطائف الجيد اساساً وتحديداً الا بعد تدخل الفاتيكان الذي استمع الى شكاوى البطريركية المارونية من ممارسات الجسم المذكور وتحميله اياه بعض مسؤولية ما جرى. وفي الحروب نفسها قامت المرجعيات الدينية الاسلامية بتغطية افرقاء لبنانيين آخرين معظمهم مسلمون وبدعمهم سياسياً وساهمت مرات عدة في تجنيب "فريقها" تنازلات وضغوطا وما الى ذلك. اما بعد الحروب فان التمييز بين الديني او العلمائي والسياسي والمقاتل والمحارب عند المسلمين الشيعة فلم يعد موجودا. ونحن لا نحاول بذلك "الدق" بأسس الدين الاسلامي الذي يعتبر ذلك جزءاً منها ولكن نصف حالا جعلت رجال الدين يقودون الحروب ويخوضونها بل ويقررونها احياناً وليس دائماً بمبررات شرعية او قومية او وطنية. وعند المسلمين السنّة فان جهات دينية علمائية عدة تحاول مواجهة الظاهرة الشيعية بظاهرة مماثلة بعضها من خلال قيادة الجمهور السني نحو التطرف، وبعضها الآخر من خلال ابقائه في دائرة الاعتدال ولكن بعد شد عصبه كي لا يستسلم للتحديات التي يواجه.
اما المرجعيات من مسيحية واسلامية او معظمها فانها صارت طرفاً في كل ما يجري شاءت ذلك أم أبت، فالبطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير تعتبره جهات مسيحية لها تمثيل واسع فريقاً ضدها وضد تحالفاتها في الشارع الاسلامي، بل تعتبر عمله السياسي مؤذياً للمسيحيين ولمصالحهم. في حين تقف معه جهات مسيحية اخرى لإيمانها بسياسته ودوره. والمسلمون ايضاً منقسمون في موقفهم منه، علما ان الإنصاف يقتضي الاشارة الى ان مواقفه التي لم تعجب دائماً من صنّفوا انفسهم اخصامه لم يعجب بعضها المهم من اعتبروا انفسهم حلفاءه او مشمولين برعايته وبركته. ومفتي الجمهورية الدكتور محمد رشيد قباني هوجم اكثر من مرة من سنّة وكذلك من معظم القيادات الشيعية الدينية والسياسية لاعتبارهم اياه حليفاً لـ"تيار المستقبل" ومغطياً له وداعماً لسياسة سنّية لا تأخذ في الاعتبار مصالح المسلمين الآخرين او اللبنانيين الآخرين. اما نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الشيخ عبد الامير قبلان فان انتماءه السياسي الشيعي معروف للقاصي والداني فضلاً عن انه بطروحاته يكشف احياناً وربما عن قصد وليس دائماً عن عفوية حقيقية عددا من النيات والمقاصد.
في اختصار صار كل من الطوائف والمذاهب الاسلامية والمسيحية بمرجعياتها السياسية والدينية موحداً. الامر الذي يجعل الامل في نجاح المرجعيات الدينية في التأثير على المرجعيات السياسية او السياسية العسكرية يشبه أمل ابليس في الجنة. من هنا عدم توقع لبنانيين كثر اي نتيجة عملية من القمة الروحية. طبعاً لا يمكن انكار الدافع الوطني الصادق عند رئيس الجمهورية ميشال سليمان والذي جعله يدعو الى هذه القمة وخصوصاً بعدما رأى الهوة السحيقة التي وضع لبنان رجله الاولى على حافتها، وتأكد من عدم جدية ابناء بلاده على تناقضهم وعدم جدية اشقائهم الاصدقاء الذين لا يزالون يصرّون على لبنان – الساحة لحاجتهم اليها. ولكن لا يمكن في الوقت نفسه ان يدفن اللبنانيون رؤوسهم في الرمال معتبرين ان كل شيء "زين" او منتظرين "عجائب". الاعجوبة يصنعونها هم اذا شاؤوا. وهي جعل الانتماء الى الوطن فوق كل الانتماءات الاخرى اياً تكن اهميتها وقداستها مع الاحترام والتبجيل الكاملين لها.