اللعب… فوق الشواهق!
يتّبع "حزب الله" تقليداً ثابتاً في عدم التعليق والصمت حيال أي تطور أمني يثار في شأنه حين يصنفه ضمناً أو علناً في إطار السلوكيات العملانية للمقاومة، سواء كان بفعل منه او من سواه. هكذا كان يصمت الحزب مرات عدة لدى اطلاق صواريخ غامضة من الجنوب على شمال اسرائيل فلا يتبناه ولا ينفي مسؤوليته عنه ليبقى الامر "ورقة" توظيف في حوزته. ومثل هذا السلوك تقريبا يعتمده الآن في صمته على اثارة زعيمي الكتائب و"القوات اللبنانية" مسألة تمدد "حزب الله" الى مرتفعات عيون السيمان ذات الحساسية والشديدة الاشتعال لدى المسيحيين، نظرا الى ارتباطها بذاكرة الحرب و"حصار" المناطق المسيحية تارة على ايدي خصوم محليين، وطورا على ايدي القوات السورية في حقبات متقلبة.
مرة واحدة خرج "حزب الله" على هذا التقليد حين نفى عشية انفجار ازمة شبكة الاتصالات الخاصة به ان يكون اقام اجراءات تتيح لشبكته التمدد نحو كسروان وجبيل. وبطبيعة الحال يدرك الحزب سلفا ان قدرته المفترضة حتى اشعار آخر على التمدد الامني او الاستخباري او حتى العسكري الى المناطق المسيحية في جبل لبنان لن تمكّنه من اي توظيف سياسي او امني ايجابي لانه سيرتد بسلبيات هائلة على حليفه المسيحي الاساسي العماد ميشال عون ويعطي "القوات" والكتائب ورقة ثمينة للغاية للضرب على خاصرة عون و"التيار الوطني الحر" بقضية مقضية في اشعال المخاوف المسيحية وتحفيزها واستنفار ذاكرة الحصار التي تستقطب قلب الاوراق والمواقع رأسا على عقب.
ولن تجدي "حزب الله" بطبيعة الحال ان يبرر اشعال مقلب جديد في الازمة تمثله "حرب المرتفعات" اذا ادرجها في اطار السلوكيات السرية للمقاومة. اذ ان خصومه في المقلب المسيحي، كما في المقلب المسلم، لم يتأخروا عن إلحاق هذه الصفحة الغامضة الجديدة باطار الملاحق الامنية لاجتياح بيروت ومحاولة اجتياح بعض الجبل.
يضاف الى ذلك ان تسليط الضوء على وجود عملاني للحزب في مرتفعات استراتيجية، مثل مرستي في اعالي الشوف وعيون السيمان في اعالي كسروان، في حال ثبوته، لا يبقي مفاعيله محصورة بالجانب الداخلي للصراع السياسي والامني وإن انعدمت قدرة اي خصم للحزب على منع تمدده بما فيها قدرة القوى الامنية الشرعية. فهذه المسألة تمس السرية الكبيرة والمشهودة للحزب في دوره المقاوم ضد اسرائيل، ومتى حُكمت معايير العمل المقاوم، بصرف النظر عن تداعيات اجتياحه لبيروت واستعماله السلاح في صراع داخلي، يفترض سحب هذه المسألة بأقصى سرعة من التداول وانهاء مفاعيلها السياسية بانتفاء اسبابها وقطع دابر السبب والنتيجة في آن واحد لان ظروف الصراع ونتائجه على المرتفعات تختلف الى حد بعيد عن ظروفه ونتائجه في المنخفضات. واذا كان من نافل الحقائق ان تتضارب المصالح الجوهرية لـ"حزب الله" مع اي انكشاف لسلوكيات سرية يعتمدها في مواجهة اسرائيل، فان فرضية الا يكون "حزب الله" تحديدا قد توغل الى مرتفعات كسروان ينبغي ان تطرح بسرعة وعلنية كافيتين لقطع الشك باليقين علما ان من المسلمات التي يدركها الحزب، كما سائر القوى الحليفة له وكذلك خصومه، هي ان اسوأ الارتدادات في تحكيم السلاح والانماط الامنية في الصراع الداخلي تتمثل في الانكشاف امام اسرائيل من جهة، والسقوط في اخطاء قلب الاوراق والمواقع على المدى القريب جدا في الداخل، من جهة اخرى. ولا يعوض هاتين السقطتين اي توظيف ظرفي لترسيخ امر واقع قد يكون تراءى لأصحابه انه الوسيلة الفعالة لإحكام السيطرة على واقع اثبت تاريخيا انه أعصى من ان يحمي حتى المنتصرين فيه، فمثل هذا "الانتصار" لن يكون الا عابرا على المنخفضات فكيف حين تفلت قواعد اللعبة في المرتفعات الشاهقة ويدخل الصراع الداخلي في تشابكات اقليمية خطرة تذكّر بوقائع لا تزال شواهدها حاضرة ولن تخرج منها "المقاومة" الا بالوبال؟