الوضع الأمني يضغط على سوريا لتشكيل الحكومة
حوادث طرابلس استذكار للماضي ومصالحات معلّقة
الى اي مدى ضغط الوضع الامني في الشمال تحديدا، على محاولة الايحاء مساء امس بقرب انتهاء الملف الحكومي؟ وخصوصا انه كان لدى الاكثرية جوان متناقضان: واحد يؤكد ان لا حكومة قبل ذهاب الرئيس السوري بشار الاسد الى باريس، لانه لا يزال ينتظر ثمنا لما قدمه من تسهيلات لإمرار اتفاق الدوحة وانتخاب رئيس الجمهورية ميشال سليمان، ولا يمكن تاليا ان يسهل تشكيل الحكومة، قبل ان تقدم اليه سلة حوافز ملموسة.
اما الجو الثاني لدى الاكثرية فيؤكد ان الاسد لا يمكن ان يذهب الى باريس من دون تشكيل الحكومة، وان ثمة معلومات جدية تتحدث عن امكان زيارة الرئيس اللبناني لدمشق، بعد تشكيل الحكومة، وقبل مغادرته والاسد الى باريس لحضور قمة "الاتحاد من اجل المتوسط".
وأصحاب هذا الرأي مغرقون في التفاؤل بامكان الفصل بين المسارين السوري والايراني، وتسهيل تشكيل الحكومة. لكنهم يعزون السبب الرئيسي الى ما حدث اخيرا في الشمال، حيث صار الوضع الامني ضاغطا الى حد كبير على سوريا، بعدما أعادت الاشتباكات الى اهل طربلس والشمال صورة قديمة عن المجازر والحروب التي عرفتها في فترة 1976 وفي الثمانينات.
يعرف اهل الشمال والنظام السوري جيدا، خطورة الفرز المذهبي الذي تبلور في الايام الاخيرة، وخصوصا ان تداعياته اخطر بكثير من الاثار التي خلفتها حوادث 8 ايار. ففي بيروت والبقاع، لم يكن السوريون طرفا مباشرا في المعركة التي قادها "حزب الله" في وجه "تيار المستقبل"، ولم تسجل خلال هذه الحوادث عمليات نزوح او حرق محال ومنازل بالحجم الذي سجل في طربلس اخيرا.
ما حدث في طرابلس تعدى الحجم الذي يُتداول حاليا، فالمعلومات التي يملكها نواب الشمال من الاكثرية تتحدث عن اكثر من عشرين قتيلا ذهبوا ضحية الاشتباكات الاخيرة، وبعضهم شيع في عكار.
وسقوط هذا العدد المرتفع من القتلى ومحاولة اخفائه، يوحيان ان الجمر لا يزال مشتعلا، في منطقة عانت سابقا صراعات مذهبية تخطت كل التوقعات، حتى جرت التعمية عليها وعدم كشف حقائقها على مدى اعوام الوجود السوري في لبنان. من هنا تكمن خطورة ما يحصل اليوم في الشمال بين ابناء جبل محسن وباب التبانة، اي بين العلويين والسنة.
فتاريخيا، يرتبط العلويون بسوريا، بالدم وصلات القربى وبالانتماء المعنوي والسياسي. ولكن بحسب احد الوزراء الشماليين "بقدر ما حاول العلويون الواعون فصل هذين المسارين، فانه لا يمكن احدا ان يتصور ان اي تحرك امني في جبل محسن لا علاقة له بسوريا". والمفارقة ان اعادة التنظيم المسلح التي سجلت اخيرا في منطقة البعل اختلطت بوجود مجنسين لبنانيين حملوا السلاح واعادوا تنظيم مجموعاتهم حديثا باشراف مسؤولين موالين لسوريا، وبوجود عناصر دربت وجهزت على يد "حزب الله" بحسب ما يقول الوزير الاكثري.
شكل شارع سوريا وامتدادته مسرحا للاشتباكات، بين التبانة السنية وجبل محسن العلوي. ولمن لا يعرف هذا الشارع وباب التبانة، فهو من المناطق التي كانت توازي اهمية اقتصادية وتجارية اسواق بيروت في عزها قبل الحرب، اذ شكل واحة حيوية لطربلس والشمال وابناء المنطقة المسيحيين الذين كانوا يقصدونه للتبضع.
خلال الحرب، تغيرت هوية المنطقة طائفيا وحزبيا، وصار شارع سوريا عنوانا للخراب والتهجير والمعاناة، فعاد يشبه ايضا اسواق بيروت التي شلّعتها الحرب. كان يفترض ان تقام شركة تشبه "سوليدير" لاعادة اعمار الشارع وتحديثه، على غرار بيروت، لكن المشروع لم يبصر النور. والاهم ان اي صلح حقيقي لم يعقد في هذا الشارع، حيث سجلت اعنف المعارك والمجازر.
ويقول الوزير الشمالي: "لقد سقط في مجزرة واحدة عام 1986 ما بين 500 الى 750 قتيلا، اثر مقتل الزعيم الطرابلسي خليل عكاوي "ابو عربي". لكن ثمة من يتحدث عن ارقام اعلى بكثير سجلت منذ 1976 الى ما بعد بداية الثمانينات، وشملت نحو عشرة الاف شخص من ابناء المنطقة قتلا واختفاء وخطفا.
والمفزع انه جرى استحضار كامل لذاكرة السياسين وابناء المنطقة، حين بدأت اشتباكات طرابلس اخيرا.
فواقعة باب التبانة جبل محسن، لا تشبه بشيء المعارك بين الجيش و" فتح الاسلام". فهنا تتقاطع المصالح السورية مع اللبنانية والعربية والجهادية والسلفية، وترتفع في مقابلها، حدة التضامن مع الجيش لانهاء الظاهرة التي رفضها اهل الشمال، بمجملهم. وهناك تأخذ المعارك بعدا مذهبيا خطرا.
لكن عودة التقاتل المذهبي بما حوى من اعمال حرق وتهجير، واستعادة لذاكرة الحرب، تركت آثارا سياسية سيئة، يبدو ان السوريين التقطوا بقوة خطورتها. وخصوصا ان بين الذين قاتلوا، بحسب الوزير الشمالي، "موالين للنائب سعد الحريري في مجموعات تسمى افواج طرابلس، اضافة الى مجموعات التبانة المعروفة منذ نحو 25 عاما، وابناء المنطقة الموالية عائلاتهم تقليديا للرئيسين عمر كرامي ونجيب ميقاتي والنائب محمد كبارة، اي ان كل ابناء المدينة قاتلوا حين وقعت المعارك".
في المقابل شكل "الحزب العربي الديموقراطي" غطاء لمقاتلي جبل محسن، في حين ان المجموعات التابعة للشيخ بلال شعبان والشيخ هاشم منقارة لم تدخل على الخط، على رغم انها معروفة بموالاتها للمعارضة، وعناصر كل هذه المجموعات مدربة في سوريا".
ويجزم الوزير الشمالي بأن ما حدث في طرابلس كشف دلائل خطيرة، فلاول مرة تخرج الى العلن بسلاحها، مجموعات سنية سلفية في البقار – القبة، تختلف عن المجمعات الدينية الموالية للنائب السابق خالد الضاهر، المتمركزة اساسا في عكار. واهمية هذا الوجود بالمعنى العسكري، تكمن في ان المنطقة المذكورة تشرف على جبل محسن الذي يطل بدوره على التبانة.
وحين وقعت الحوادث الامنية، كان ثمة تخوف حقيقي من انتقال المعارك الى عكار، حيث بدأ الحديث عن اعادة تموضع الاحزاب المعارضة، وعلى خلفية الحادثة الامنية الكبيرة التي وقعت في حلبا.
بالنسبة الى المعارضة، تشبه معركة عكار "شربة ماء"، ومن السهل على المعارضة حسم الوضع فيها خلال 24 ساعة.
في المقابل، فان الاكثرية تبدو واثقة ايضا من ان سوريا تعرف تماما خطورة اي معركة في عكار، قياسا الى طرابلس. ففي المدينة الساحلية تتداخل الاحياء السكانية، ومن الصعب على اي فريق حسم المعركة لمصلحته، في حين ان الوجود العلوي في "الحكر"، اي مجموعة البلدات العلوية، يمكن ان يتعرض لضغط قوي، اذا تفاعل الوجود السني في المنطقة عسكريا.
في اعتقاد الاكثرية الشمالية ان المس بالوجود العلوي قد يكون من الاسباب الجوهرية التي جعلت السوريين يعيدون النظر في سياستهم، وخصوصا انه ليس من السهل على اي طرف ان يزيل "بشحطة قلم" اجواء فتنة مذهبية عرفت هذا المستوى من الحدة، على غرار ما حصل في طرابلس اخيرا.
ولكن على اهمية امكان مراجعة السوريين لموقفهم والضغط في اتجاه تشكيل حكومة، فان الكثير من المعالجات لا تزال تنتظر طرابلس وعكار. والخوف ان تكون الانتخابات النيابية المقبلة مسرحا لمزيد من التشنج، لا مكانا للمصالحات التي ما انفك الطرابلسيون يجرونها منذ عام 1976.