القمة الروحية والمشكلات الوطنية
للقمة الروحية التي ضمت رؤساء الطوائف الدينية في لبنان الثلاثاء الماضي، دلالات استثنائية لا يصح تجاهلها. فقد عُقدت في القصر الجمهوري، وبدعوة من رئيس الجمهورية. وهذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك. فقد كان المعهود في الأزمات الوطنية، وفي الاجتياحات الاسرائيلية أن يتداعى رؤساء الطوائف للاجتماع بالبطركية المارونية أو بدار الفتوى، لإظهار التضامن والتوحد في وجه العدوان، أو في وجه الفتنة. والذي حدث بلبنان في الشهور الأخيرة، يتجاوز الأزمات السابقة التي عرفها بعد الطائف وانتهاء الحرب الأهلية. فقد خلا منصب رئاسة الجمهورية ستة أشهر. وجاء الاضطراب الأمني الذي بدأ باجتياح بيروت، ثم نشوب الاشتباكات بالبقاع الأوسط، وحدوث القصف على طرابلس. وتعرقل خلال ذلك كله تأليف الحكومة الجديدة، رغم أن مصلحة أطراف المعارضة بدت واضحة فيها.
وإذا كانت الظروف الاستثنائية هذه قد عصفت في وجه رئيس الجمهورية الجديد، مما استدعى إجراء استثنائياً مثل الدعوة بنفسه لاجتماع القيادات الروحية للبلاد؛ فهناك أيضاً ظروف التقاطع والجفاء بين الطوائف، وبخاصة بين القيادات الدينية السنية والشيعية بعد أحداث بيروت. وهناك ظروف استثنائية ثالثة إذا صح التعبير، وهي تتمثل في الانقسام الوطني العميق، الذي أحدثته ظاهرة حزب الله، والتدخلات الخارجية، والخلاف على الموضوعات الوطنية الرئيسية في الكيان اللبناني.
وسط هذا كله، أتت القِمة الروحية لتحقيق عدة أغراض فيها الرمزي، وفيها الواقعي والعملي. في مجال الرمز استطاع رئيس الجمهورية الجديد أن يجمع القيادات الروحية (والسياسية) بإشرافه، وهذه بداية جيدة لعهده وللبنان. كما أمكن إصدار بيان يؤكد على الثوابت التي يجمع عليها اللبنانيون. وبين المهم مما قيل: الطائف والسلم الأهلي، ومنع استخدام السلاح في الداخل. بل وحتى التأكيد على ضرورة تعجيل تأليف حكومة الوحدة الوطنية. ومما له دلالته ـ رغم أن ذلك له طابع رمزي غلاب ـ أن يكون البيان قد صدر بالإجماع ومن دون اعتراض من أحد، رغم الخلاف الشاسع في وجهات النظر. أما الأمور ذات الطابع العملي فتتمثل في سقوط التقاطع والجفاء، وبدء الحديث بين الحاضرين في الجوامع والمشتركات، ونبذ الفُرقة والاختصام. وهذا كله ليس بالأمر القليل، بالنظر لما حدث قبل الدوحة، وأثناءها، وبعدها. وقد أدى ذلك الى شيوع أجواء إيجابية دفعت ببعض الحاضرين الى الطموح في أن تكون القمة فاتحة لحل الأزمة.
هل تكون القمة الروحية هذه فاتحة إيجابية بالفعل؟ ما من أحد من الحاضرين للقمة إلا وقد حضر خمس أو ست قمم مثلها. وقد يذهب شيوخ السن والتجربة للقول ان المشكلة ليست في القيادات الدينية، بل في القيادات السياسية، وهذا صحيح. لكن الذين يرون في الكيان اللبناني، أو يرون من ضمن أبعاده أنه تجمع للعائلات الروحية، سيعتبرون أن القمة الروحية تتضمن تأكيداً على هذا البعد المهم والعميق للبنان؛ وهذا الدور المؤثر للمسيحية العربية، التي جعلت لبنان قِبلة الأنظار في المشرق كله.