المحور السوري ـ الإيراني يتوسّل الضغط الأمني لتحقيق أهدافه السياسية
ومطالبه الحكومية وتجربة العام 2005 نموذجاً
"الفتنة المتنقلة" تخدم "تيّار المستقبل" أم هي "حرب إلغاء"؟
منذ مدّة بدأ "حزب الله" يشيّع نظرية مفادها أن "تيار المستقبل" يُنقّل الفتنة من منطقة الى أخرى، من أجل أن يشد "العصب الانتخابي" لدى الطائفة السنية، ويتملّص من "اتفاق الدوحة" بأمر من المملكة العربية السعودية، ويعمل على نسف تشكيل الحكومة بأمر من وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس.
بالمطلق قد يكون هذا الكلام صحيحاً، ولكن ماذا يظهر إذا تمّ وضع هذا الكلام على "مشرحة العقل" وجرى قياسه بالاستناد الى المعطيات الموضوعية؟
في العلم التحليلي يجري البحث عن "مرتكب" أي جريمة ـ والفتنة المتنقلة جريمة ـ بالاستناد الى الأسبقيات، على اعتبار أن لكل فئة بصماتها وسيناريواتها.
وفي ملف الأسبقيات، يتضح بأن الفريق المتحالف مع النظامين السوري والإيراني يلجأ الى التوتير الأمني كلّما أراد أن يُحقق هدفاً سياسياً، وهذا بالتحديد ما حصل في صيف العام 2005 بعد انتهاء الانتخابات النيابية وبدء تشكيل الحكومة الجديدة.
وفي الوقائع، أنه في الثلاثين من حزيران 2005 جرى تكليف فؤاد السنيورة تشكيل الحكومة، فإذا بيوسف وجيه فرنجية، في الأول من تموز 2005، يستيقظ على قرار قتل ناشطين قواتيين في بلدة ضهر العين ويجد ملجأ آمناً، حيث بقي الى حين وفاته.
وفي الثالث من تموز، بدأت الشروط التصعيدية المعرقلة لتشكيل الحكومة، فاختبأ "حزب الله" والرئيس السابق أميل لحود وراء مطالبة العماد ميشال عون بوزارة العدل، من أجل أن يحصل الأول على وزارة الخارجية ويحصل الثاني على حصة وزارية.
وفي الخامس من تموز، بدأت أزمة الحدود اللبنانية ـ السورية من خلال "تقنين" مرور الشاحنات على المعبر الشمالي.
وفي السابع من تموز، مارس "حزب الله"هوايته المفضلة، فاتهم الأكثرية بالخضوع لواشنطن بعدم إسناد حقيبة الخارجية الى الثنائي الشيعي، لأن معلوماته ـ طبعاً بالاستناد الى فيلكا إسرائيل ـ تقول إن البيت الأبيض وضع فيتو في وجهه.
وفي الثامن من تموز، عمم النظام السوري "تدابير" الشمال على معبر المصنع الحدودي.
وفي التاسع من تموز، جرى إقفال نهائي للحدود بين لبنان وسوريا.
وفي العاشر، حاصر النظام السوري لبنان بحرياً واعتقل أربعة صيادين.
وفي الثاني عشر من تموز، وقعت جريمة محاولة اغتيال الوزير الياس المر المرشح لتولي وزارة الدفاع.
وفي الثالث عشر من تموز، تمّ رفع شعار الثلث المعطل الذي أراد عون أن يكون من ضمنه.
وهكذا على وقع التدهور الأمني ومواصلة الاغتيالات وحصار لبنان، تصاعدت أزمة التشكيل الى أن قدّمت الأكثرية التنازلات المطلوبة، فصدرت مراسيم الحكومة في التاسع عشر من تموز، ومعها بدأ النظام السوري يفك الخناق عن لبنان.
إذاً، بالاستناد الى أسبقية التوتير الذي واكب تشكيل الحكومة السابقة، فإن التوتير الذي يواكب تشكيل الحكومة الحالية يمكن احتسابه حصراً على ذمة المحور السوري ـ الإيراني في لبنان، خصوصاً أن أدبيات هذا الفريق تقوم على المعادلة الآتية: إن تشكيل الحكومة وحده يمكن أن يخفف من الوتيرة المتصاعدة للتوتير الأمني.
وهذا يعني، أن الضغط الذي يمارسه "حزب الله" إنما يهدف، على المدى القصير، الى فتح خطوط إقليمية مع إيران وتحديداً الخط السعودي من جهة أولى وإلى نيل ما يريده في الحكومة العتيدة، من جهة ثانية.
وعلى هذا الأساس، فإن الفريق المتخوّف من اللعبة الأمنية المتصاعدة، هو الذي يضغط بقوة ويقدم التنازلات بالسر من أجل أن يُنهي ملف تشكيل الحكومة بسرعة، كما هي عليه حال وليد جنبلاط.
هذا إذن بالنسبة الى "البصمات"، ولكن ماذا عن تهمة "تيار المستقبل" بأنه يعد لانتخاباته النيابية المقبلة بشد العصب السني؟
ليكون هذا الكلام دقيقاً، يُفترض أن يُحدّد "حزب الله" القوى السنية التي كانت قادرة، قبل اعتماد تكتيكات الفتنة المتنقلة، أن تنافس "تيار المستقبل" في البيئة السنية، بمعنى آخر، هل كان هذا التيار ضعيفاً في البيئة السنية، وفي هذه الحالة لماذا خاض الحزب معركة تقسيم بيروت وحصر السنة في دائرة واحدة، ولماذا أصر على إبقاء بعض الدوائر مشكلة من قضاءين بدل أن يقبل بمعيار القضاء ـ الدائرة كما هي عليه الحال في بعلبك ـ الهرمل وفي مرجعيون ـ حاصبيا وفي البقاع الغربي ـ راشيا؟
أكثر من ذلك، هل أن التوتير الأمني قد خدم فعلاً "تيار المستقبل"؟
الإشارات الصادرة من الأرض تشير الى عكس ذلك، فهذا التيار الوسطي الذي يرفع لواء الدولة القوية، وجد نفسه غارقاً، بفعل اعتماد تكتيكات الفتنة المتنقلة، بمد الحركات السلفية والأصولية، بحيث غاب "المستقبل" عن الشارع ليحضر غيره، الأمر الذي واكبه "حزب الله" بتوفير منابر لأدواته في الطائفة السنية، من أجل أن تلعب على وتر المخاوف السنية واعتبار النائب سعد الحريري غير مؤهل لحماية مصالح هذه الطائفة، كما فعل المتطرف هاشم منقارة على شاشة "المنار"، أمس.
ومن يُدقق بالشخصيات التي رفعتها "الفتنة الشمالية" الى الضوء مجدداً، يُدرك تماماً أن حلفاء "حزب الله"، بعدما أغرقهم إستياء الشارع بتهمة الالتحاق بالمشروع الإيراني، قد جرى تعويمهم.
وهذا يفيد، بأن "تيار المستقبل" إذا لم يستدرك هذه الخسائر، فإنه سيُعاني صعوبات كثيرة في الانتخابات النيابية المقبلة.
وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن هناك حرب إلغاء تُشن على "تيار المستقبل"، وهي حرب قد لا تتوقف عند حدود تشكيل الحكومة، بل سوف تستمر حتى عشية الانتخابات النيابية.
ولعلّ المفارقة التي يمكن أن يتوقف عندها المراقبون، تتجلّى في أن "حزب الله"، وفي الوقت الذي يجهد فيه، متوسلاً تكتيكات الفتنة المتنقلة، من أجل فرض "شركاء" لتيار المستقبل ـ إن لم يكن بدائل ـ تجده يعتمد الكف الحديدية في مناطق سيطرته العسكرية، بحيث بدأ بتهديد النخب الشيعية وتهجيرها وسد منافذ الرأي الآخر، على اعتبار أن الديموقراطية التي تفيد من يخاصمهم وطنياً تضره شيعياً.