الحاجة يومية في دمشق الى التثبت من أنه ما زال تحت السيطرة
حزب الله يحول دون فكاك سوريا عن ايران
يحول "حزب الله" في حجمه الحالي، دون فكاك النظام السوري عن نظيره الإيراني. هو يبدو كالإبن المشترك لكلا النظامين، ويصون بوجوده وحدة العائلة. مع ذلك، فالنظرة إلى "حزب الله" مختلفة ما بين "ذويه".
فمن ناحية إيران، يمثّل "حزب الله" النموذج الوحيد الناجح لتصدير الثورة الخمينية خارج مداها الفارسي. يوظّف هذا النموذج في الداخل الإيراني بقصد إفحام الاتجاهات الإصلاحية والواقعية أو لجمها أو قمعها. ويوظّف النموذج عينه على الصعيد الإقليمي لأجل نقض "مرحلة الصراع العربي ـ الإسرائيلي" بعصر "المبارزة الإيرانية ـ الإسرائيلية غير المباشرة". وتجري المقابلة في هذا المجال بين جمال عبد الناصر الذي يُقدّم كرمز للهزيمة المدوية والقومية العربية البائسة وبين السيد حسن نصر الله كرمز للانتصارات المتواصلة والأمة الممانعة. ولا يعني ذلك أن سدنة ولاية الفقيه في إيران يكرّسون الأمين العام لـ"حزب الله" اللبناني والعربي، "زعيماً للأمة". قطعاً! ما يتفاخر به غلاة التشدّد الديني ـ القومي في إيران هو أن "جندياً" يدين بالطاعة المطلقة للولي الفقيه هو الذي يحقّق لـ"الأمة" كل هذه الإنجازات.
أما من ناحية سوريا، فالمسألة أكثر تعقيداً. يسمّي "حزب الله" نفسه "المقاومة الإسلامية" لكنّ الإعلام الرسمي السوري "اللاطائفي" يتجاهل الأمر ويسمّيها "المقاومة الوطنية اللبنانية"! لا يمنع ذلك من رعاية رسمية من أعلى المستويات لمظاهر "عبادة الفرد" حيال زعيم "حزب الله"، بل إن عقوبة انتقاد نصر الله في سوريا صارت أقصى من عقوبة انتقاد الرئيس السوري نفسه.
فـ"حزب الله"، بالحجم الحالي، هو القوة التي يتحصّن النظام السوري وراءها، بمثل ما يتحصّن وراء ما يسمّيه النظام "مقاومة عراقية". لكن هذا الاحتماء بـ"المقاومتين" لا يستقيم سورياً، ولا يصير عملة قابلة للتداول تفاوضياً، من غير الإيحاء بالقدرة على "تسليم الرؤوس" التي أينعت.
تتفاوض سوريا على رأس "حزب الله" ليس لأنه مجرّد ورقة إقليمية يمكن أن تسلّمها لقاء بَدَل سخي أو "استراتيجي"، وإنما للإطمئنان بأنها ما زالت قادرة على التحكّم بـ"حزب الله". التفاوض عليه هو الدليل بأنه لم يخرج عن طوعها.
على النظام السوري أن يتحقّق يوماً بيوم من أن "حزب الله" ما زال "تحت السيطرة". لكن المفارقة أن هذا النظام ليس بمستطاعه التحقّق من ذلك على طول الخط، طالما أن الحدث الفاصل الذي على أساسه يُقطع الشك باليقين لجهة كون الشبكة الأمنية لـ"حزب الله" إيرانية أولاً وسورية ثانياً أم سورية أولاً وإيرانية ثانياً، هو حدث لم يحصل بعد، وليس مكتوباً له الحصول ما دام "حزب الله"، بحجمه الحالي، يقف حائلاً دون أي مسعى انفكاكي لسوريا عن إيران.
ظنّ الكثيرون عام 2005 أن الانسحاب السوري من لبنان هو حدث فاصل لجهة تقدير مدى إيرانية "حزب الله" أو مدى تسورنه، وما إذا كانت الأولوية لصاحب الإرشاد والتعبئة والتمويل أم لصاحب الإمداد والرعاية والقادر أيضاً على التنكيل. بل اندفع البعض إلى أن المفاضلة غير المحسومة بين التفرّس والتسورن ستفسح بالمجال للبننة "حزب الله".
ففي آذار ونيسان 2005 شغل "حزب الله" وظيفة الحماية الأمنية والسياسية والشعبية للانسحاب السوري. استفاد من هذه الوظيفة بمثل ما استفاد من الانسحاب السوري نفسه. توسعت المساحة التي يشغلها وتجذّر دوره في التركيبة اللبنانية ككل.
صحيح في هذا المجال أن كوادر "حزب الله" تنفّست الصعداء من كونها لم تعد مضطرة في كل كبيرة وصغيرة لإرضاء عامل سوريا على لبنان في فترة ما بعد الانسحاب. لكن من الخاطئ تماماً التصوّر بأن "حزب الله" كان سيزداد استقلالية عن سوريا غداة جلاء عسكرها. وكم كان من الوهم التصوّر بأن هذه الاستقلالية لا ينقصها إلا وعيها لنفسها كي تلتحق بركاب الاستقلال اللبناني الثاني.
على العكس تماماً. تنعّم "حزب الله" بوراثته لموقع "النظام الأمني". حقّق لنفسه نوعاً من "اللامركزية الإدارية" حيال الجانب السوري، إلا أنه لم يزدد "استقلالية" عن سوريا، بل زادت "حاجة" السوريين اليه، سواء للتحصن خلفه أو للتفاوض عليه، مثلما ازدادت قدرته ورغبته في تلبية هذه "الحاجة"، أولاً بأول.
أرسى "حزب الله"، تباعاً، منذ 2005، المعادلات التالية:
1ـ التطوّع لحماية النظام السوري بعد انسحابه من لبنان، وبشكل أساسي حمايته من المحكمة الدولية، بل الاستعداد لحمل وطأتها على كتفيه إذا ما استدعت الحاجة.
2 ـ إعادة تأهيل عملية التدخل الإيراني السوري في مرحلة ما بعد الانسحاب، وحماية هذا التدخل، من طريق "تفاهم مار مخايل" مع الحالة العونية. اقتضى ذلك دفع "حزب الله" للانقسام المذهبي داخل الطائفة الإسلامية في لبنان إلى أقصاه: نسف الحد الأدنى من قواعد التفاهم السني ـ الشيعي على قواعد إدارة اللعبة في بلد ينقسم أبناؤه بين مسلمين ومسيحيين. بدل أن يكون التعايش المسيحي الإسلامي عامل تخفيف من حدّة الشقاق المذهبي السنّي الشيعي في لبنان، ويسهم بالتالي في تفادي مناخات الفتنة المذهبية التي اتخذت أبعاداً إقليمية، صار لبنان "محطة إنتاج للفتنة" وليس فقط محطة لتكريرها. كل ذلك والحزب "لا يخاف الفتنة".
3 ـ حماية مشروع ولاية الفقيه في لبنان بغطاء مسيحي يتمثّل بإحياء فكرة "الحلف الشيعي ـ الماروني" التي كانت تدغدغ أحلام البعض في زمن الانتداب الفرنسي. هي فكرة جرى قطع الطريق عليها بموجب الميثاق الوطني لعام 1943، وقد سبق للإمام محمد مهدي شمس الدين أن حذّر بقوة من مغبة إحياء هذه الفكرة بالذات في إحدى وصاياه، لما فيها من خطر سواء بسواء على وحدة المسيحيين، وعلى وحدة المسلمين، وعلى الوحدة اللبنانية الإجمالية.
ليس يعني ذلك أن "الحلف الشيعي الماروني" فكرة كانت تمتلك طاقة دفع حيوية في أوساط المسيحيين اللبنانيين. إنما استفاد حزب الله من كون المسيحيين في مرحلة ما بعد الانسحاب السوري قد تجاذبتهم منازع تتراوح بين رغبة "البقاء على الحياد" خارج نطاق الصراع السني ـ الشيعي، وبين المراهنة على "الاستفادة" من الصراع بين السنة والشيعة لاستعادة بعض المكاسب للمسيحيين، بالإضافة إلى دعوات مبهمة لعقد "تحالف بين الأقليات". وقد استطاعت الحالة العونية توظيف هذه المنازع لصالحها في قالب شعبوي متوتّر، لكنها فشلت و"حزب الله" في إقامة "حلف شيعي ـ ماروني"، وارتد هذا الحلف هجمة غير مسبوقة على الكرسي البطريركي الماروني في أواخر العام الماضي. بدل "الحلف الشيعي ـ الماروني" جرى الاكتفاء بـ"الحلف الشيعي ـ العوني". وهذا في تعريفه حلف يضمن تسيّد "حزب الله" بلا منازع على أبناء الطائفة الشيعية، في مقابل ترسيخ الانقسام بين المسيحيين بما يفرض خطراً وجودياً حقيقياً عليهم، لأن الحالة العونية إذا كانت قد أنهت حروبها في أواخر الثمانينات باستدراج القوات السورية إلى عمق المنطقة المسيحية، فإنها اليوم تخوّف المناطق المسيحية بغزوات لـ"حزب الله" وتزيّن هذه الحالة لنفسها بأنها صاحبة الأمر والنهي حيال هكذا غزوات.
والحلف "الشيعي ـ العوني" كان بعيداً منذ البدء عن تأمين شروط "تحالف شيعي ـ ماروني" في مواجهة السنّة. بل صار تاريخ الحالة العونية منذ تموز 2006 وإلى اليوم هو تاريخ استنزافها جماهيرياً، وتاريخ تعزيز حضور 14 آذار في الوسط المسيحي وتعزيز الحضور المسيحي داخل 14 آذار.
ولا يعني ذلك أن الحالة العونية قد صارت ظاهرة هامشية، بل إن الاحتماء بها من جانب "حزب الله" قد صار أكثر ضرورة في أيار 2008 منه في تموز 2006، وأكثر ضرورة بعد انتخاب العماد سليمان رئيساً منه قبل الانتخاب.
وإذا كان "حزب الله" أكثر اندفاعاً للاحتماء بالحالة العونية، فماذا عن سوريا، هل هي أكثر اندفاعاً للاحتماء بـ"حزب الله"، أم أنه يمكن المراهنة على العكس في هذا الإطار؟
لئن كانت حماية النظام السوري وظيفة أساسية أخذها "حزب الله" على عاتقه في مقابل الحيلولة دون إفلات هذا النظام من مداره الإيراني، فإن النظام السوري يدرك جيّداً بأن "حزب الله" ليس ظاهرة يسهل التحكّم بها عن بعد، وعلى طول الخط، انطلاقاً من دمشق، على منوال غيرها من الظواهر السياسية ـ الأمنية، الجماهيرية أو المعزولة، التي سبق أن دارت في فلك دمشق.
النظام في دمشق راغب في أن يستفيد إلى أقصى حدّ ممكن من قدرات "حزب الله" السياسية والشعبية والأمنية لإنهاك خصومه اللبنانيين من أهل السيادة والاستقلال، والتنكيل ببعضهم، فضلاً عن تحطيم آلة المطالبة اللبنانية بإجلاء الحقيقة ورفع لواء المحكمة الدولية. لكن هذا النظام لا يناسبه أن يتعاطى على الدوام بسياسة فاطمية مكشوفة علوية شيعية في لبنان، لما في ذلك من تواجه مكشوف ليس فقط مع السنة في لبنان، بل أيضاً مع الأكثرية السنية في سوريا.
تتجه المصلحة السورية إذن نحو المعادلة التالية: عدم الممانعة لجهة إنهاك "حزب الله" لخصومه الداخليين في لبنان، بل تشجيعه ودفعه أكثر فأكثر إذا ما تطلّب الأمر، إنما بالشكل الذي يؤدي إليه ذلك إلى نوع من إنهاك لـ"حزب الله" نفسه. عندما تشعر سوريا بأنها لم تعد تتحكم كفاية بظاهرة "حزب الله"، فإنها تدفع بها إلى مداها، لأن ذلك يتيح لها لاحقاً التحكم بشكل أفضل.