سمير جعجع.. إن حكى!!
في مؤتمره الصحافي الأخير، انتهج رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع مسلكاً مغايراً تماماً عن أسلوبه الذي اعتاده منذ سنوات طويلة، أو على الأقل منذ خروجه من السجن بعد انتهاء انتخابات 2005، ولعلّ التشديد على زمنية إطلاقه من المهم جداً التركيز عليها للولوج لاحقاً الى بعض الحقائق التي تمّ تغييبها عن اللبنانيين بفعل فاعل، والمقصود بالأسلوب الجديد هو انكفاء الحكيم عن لغة الصمت المُدقع إزاء التخريف والتخوين السياسي الذي يمتهنه صاحب خديعة العصر، أي النائب ميشال عون حالياً، وقائد الجيش ميشال عون سابقاً، ورئيس الحكومة الانتقالية في مرحلة معيّنة دولة الرئيس ميشال عون…
وفي كل المراحل، كان الرجل ممتهن للعبة التمسْكن للتمكّن.. ولعلّ تصرفات عون الأخيرة هي نسخة طبق الأصل ولو منقّحة عن تصرفاته التي اعتادها طوال حياته السياسية وقبلها العسكرية..
ودعونا نُقرّ ونعترف بثعلبية عون التوجيهية، وقدرته على تركيب وفبركة أحداث معيّنة وبالتالي تلفيق المزاعم لدرجة قلب الحقائق رأساً على عقب، هذا الرجل الذي كان شريكا للرئيس الراحل الشهيد بشير الجميل، أو دعنا نوضح مسألة إعطاء الحجم الحقيقي للضابط عون يوم كان يسعى سُلحفاتياً للتقرّب من الشيخ بشير بواسطة صديق مشترك هو الأستاذ أنطوان نجم، وتقرّبه هذا حصل قبل وبعد مجزرة إهدن، أي أن عون ولو بطريقة غير مباشرة يعتبر من مؤيدي بشير بنهجه وخطه وسلوكه السياسي.. عون استمر بتقرّبه من بشير قبل وبعد مجزرة الصفرا، أو كما أطلق عليها اصطلاحاً "عملية لينا"… وغيرها وغيرها من الملفات التي ينبشها عون اليوم، ليس لسبب إلاّ لإلحاق المزيد من التباعد والتفرقة والشدخ والحقد في صفوف المسيحيين.. ألا يعلم الرجل مثلاً أن سمير جعجع أُصيب على الطريق وقبل وصوله الى قصر آل فرنجية وتمّ نقله الى المستشفى؟؟ بل حتماً يعلم، ومن المفترض به أن يعلم وهو الضابط اللاعب بامتياز طوال فترة الحروب الكبيرة منها والصغيرة، الداخلية كما الخارجية..
إذاً محصّلة هذه الحقيقة ـ المعادلة أن عون يعلم خفايا الأمور وخباياها، وهو ينفض يديه دوماً من غبار السنوات العجاف الطويلة التي كان من أركانها، ولعلّ تذكير اللبنانيين وإنعاش ذاكرة العونيين منهم تحديداً بمثال حيّ عما نقوله يبقى من البديهيات في زمن امتهان الخداع هذا.. اغتيال الرئيس رشيد كرامي حصل زمن تولّي عون قيادة الجيش، ولم نسمع للرجل أي مبادرة أو تفعيل باتجاه الدفع بالتحقيق للوصول الى نتائج مرجوة، وأكثر من ذلك، عندما حاول الرئيس أمين الجميل إقالة قائد الجيش العماد ميشال عون من منصبه على اعتبار أنه يبقى المسؤول هرمياً ومسلكياً ومعنوياً عن حادثة تفجير الطوافة العسكرية التي كانت تقلّ رئيس الحكومة، بادر الرئيس سليم الحص برفض الطلب طبعاً هذا الرفض كان مذيّلاً بتوقيع سوري، وهذا إن دلّ على شيء فهو يدلّ على مدى تورط عون مع السوريين منذ ما قبل ذاك التاريخ، ولعلّ استقباله في سوريا ببذته العسكرية الرقم (2)، كانت أول دغدغة للجامح دوماً أبداً نحو عقدة مرضية تلازمه باستمرار ألا وهي القبض على السلطة عبر اعتلاء كرسي رئاسة الجمهورية، وأخيراً أطلّ على اللبنانيين بأكذوبة كبيرة مفادها ما ردّده حرفياً على مسامعنا:
"عُرضت عليّ رئاسة الجمهورية ولكن على حساب الوحدة الوطنية، لذلك فضّلت أنا الوحدة الوطنية على الرئاسة…" وهنا لم يسأله أحد من الذي عرض عليه الرئاسة؟ وكيف كان سيصبح رئيساً من دون موافقة الأكثرية النيابية عليه، إلاّ إذا اعتبر أن اجتياح بيروت كان سيوصله الى بعبدا.
أردت هذه المقدمة الطويلة للوصول الى تساؤل محدد وهو لماذا لم يتكلم سمير جعجع قبل اليوم؟ ولماذا لم يدافع على الأقل عمّا سيق ضدّه شخصياً على الرغم من التشويه الذي يعتمده دوماً عون، وهنا لماذا لا نستذكر معاً قصة ربطة الخبز على حاجز البربارة، وأنا من الذين اعتقدوا أن منع نقل ربطات الخبز من المناطق الشرقية الى خارجها تدبير طائش وعمل زجري تقوم به حواجز القوات اللبنانية، ولكن ما لم نعلمه وما لم يعلمه اللبنانيون أن هذا القرار تمّ اتخاذه من قبل وزير الاقتصاد واستكمل تطبيقه الوزير عصام أبو جمرة زمن توليه وزارة الاقتصاد في الحكومة الانتقالية، ولم أسمع في يوم تصريح أو توضيح من قبل القوات اللبنانية حول هذا الموضوع، وبقيت الرواية التي ساقها عون من ضمن برنامجه الدعائي التحريضي ضد القوات اللبنانية.
أما مسألة حرب الإلغاء، والتي استمررت بتسميتها حرب توحيد البندقية حتى الأمس القريب، على اعتبار أن عون يرمي من خلال ما قام به، سحب سلاح الميليشيات، لأنه لا سلاح بعد اليوم إلا بين يدي الجيش اللبناني، فكانت الحرب التي جعلت من المسيحيين الطبقة المعدومة سياسياً، خصوصاً بعد الاجتياح السوري صباح 13 تشرين الأول 1990، لنصل الى زمن يقف فيه ميشال عون مع ميليشيا حزب الله وباقي الفصائل المسلحة من أحزاب سوريا في لبنان من قومي وبعثي وأمل…
واليوم بات بالإمكان الإجابة عن سؤال: لماذا بقي سمير جعجع في السجن الى ما بعد الانتخابات النيابية؟
زاره عون في اليرزة بشكل صوَري، وإطمأنّ باله أن جعجع لن يخرج قبل الانتخابات وهذا المسعى السوري كان عبر سيناريو مكتوب ومُعدّ للتنفيذ، لن يتمكّن عون من استنهاض المسيحيين في حال وجود سمير جعجع على الأرض، لذا من بديهيات عناصر المعركة استئخار عملية العفو وبالتالي إبقاؤه في السجن حتى ما بعد إنهاء جرّ المسيحيين الى جَعْبة عون التي انكشفت حقيقتها، ميشال عون كان بإمكانه أن يصل الى الرئاسة لو لم يتحوّل الى طرف عدائي لفريق 14 آذار، ولكن مشكلته أنه متورط حتى أذنيه، متورط لدرجة أنه أطلّ عشية اغتيال جبران تويني ليقول: "هلّقتني بيتهمو سوريا.. حلّو بقا عن سوريا"..
وعونيات الحكيم هذه المرة جاءت في محلها ولو أنها متأخرة، هذه العونيات يجب أن تكون شغلنا الشاغل، ليس لسبب إلاّ لانتشال الفئة التي لا زالت حتى الساعة مغمضة العينين، الفئة المسكينة التي بدأت تلامس الحقيقة ولكن المشكلة تكمن في الصدمة، تماماً كما حصل معي ومع رفاق كثر لي، حيث لم نصدّق أن الرجل مخادع وأنه يقترب أكثر فأكثر من السورنة، ولكن تحكيم العقل، وترجيح المنطق، والقراءة الموضوعية لخطاب الرجل المستحدث جعلنا ويجب أن يجعل من كل عوني مغشوش البحث جدياً وملياً في العونيات التي باتت كتابا يُقرأ بهدوء للتوصل الى نتائج منطقية تؤشر الى الحقائق كلها، وهذه الحقائق باتت مكشوفة وما عادت مخفية أو دعنا نقول لم يعد بإمكان عون إخفاؤها وتعمية حقيقتها، خصوصاً بعدما تحوّل تورطه القديم الى حالة ظاهرة لا يمكن إخفاؤها أو التستّر عليها، ثلاثون سنة من الخداع، الى أن وصلنا الى اللحظة الحاسمة لحظة المحاسبة…