لماذا طرابلس؟
"ولا ينبيك عن خلق الليالي كمن فقد الأحبة والصحابا
ومن يغتر بالدنيا فإني لبست بها فأبليت الثيابا"
أحمد شوقي قصيدة "سلوا قلبي"
"وعاد خليل عكاوي، من عزلته بفهم جديد للاسلام معتبراً أنه هو الحل بعد فشل التجارب الماضية. كانت كنيته أبو عربي، وبعد هيام بين الأفكار المتشعبة، التزم بيسارية اسلامية وحمل السلاح ومعه العشرات من الشبان. سرعان ما تحولت هذه المجموعة الى حركة مقاومة مسلحة واجهت ظلم المخابرات السورية التي نكلت بأهل طرابلس.
تحولت التبانة بعدها الى قلعة عصبة على القوات السورية حتى دخلت في حرب مفتوحة معها على مدى عدة سنوات. ذاقت طرابلس الأمرين، فعرفت الدمار والتنكيل والترويع المزدوج… من الخارج قذائف وحصار القوات "السقيقة" والأحزاب "الوطنية"، ومن الداخل عصابة ظلامية روعت ونكلت وقضت على الحريات وأعادت المدينة الى عصور الظلمات.
لكن مجموعة التبانة نأت نفسها عن مسار العصابة الظلامية وحصرت نفسها في المواجهة. في التاسع من شهر شباط 1986 ومباشرة بعد صفقة ايرانية سورية، وبعد أن ضمنت المخابرات السورية حياة أبي عربي، اغتلاته مجموعة منها لتنتهي معه أسطورة باب التبانة… ولكن البرابرة لم يكتفوا بذلك، فبدروا في 19 كانون الأول من نفس السنة مجزرة رهيبة طالت المئات من الرجال والنساء والأطفال العزل، ولم تنفع حرمة منزل ولا مسجد. مئات دفنوا في مقابر جماعية ومنع أهلهم من الصلاة على أرواحهم حتى صلاة الغائب. لقد منع أو جبن الصحافيون عن تغطية الجريمة، ودفنت الوقائع في غياهب الخوف والذل لتزيد في معاناة التبانة وفي حزن أهلها. وأنا ما زلت حتى اليوم أسمع أنين الضحايا يتردد في أرجاء عقلي وأنا أحلم بأن يمنحني الله يوماً قوة خارقة لأنتقم لأهل حارتي…" من رواية حكايات أبو النور لمحمد علوش.
لقد تمكن الجنرال البرتقالي في غمرة حفلة التضليل الذي يتقنها من طمس وتجاهل تضحيات أبناء مدينة طرابلس وباب التبانة بالذات في مواجهة الاحتلال السوري على مدى ثلاثة عقود من الزمن وها هو اليوم يسترسل في حفلة تجني يحاول من خلالها تصوير المدينة الصابرة وكأنها قندهار. فمنذ بداية الدخول السوري الى لبنان في خريف 1976 عوملت المدينة على أساس أنها بيئة معادية للنظام السوري لأسباب سياسية ومذهبية. لقد رزحت طرابلس منذ ذلك الوقت تحت ظلم المخابرات وعومل السكان بقسوة بالغة لدرجة أصبحت الاهانة خبزهم اليومي عند مرورهم على الحواجز العسكرية المنتشرة في كل أرجائها، كما أن قصص التعذيب العشوائي في مراكز المخابرات صارت الحديث اليومي لدرجة دفعت الناس الى حالة من اليأس الجماعي. لقد تمكن الاحتلال السوري من عزل المدينة عن باقي لبنان على المستوى السياسي والانمائي وجعلت منها بيئة منفرة للاستثمار مما زاد في بؤس أبنائها لدرجة دفعتها الى قاع مستويات الفقر. لقد أدى هذا الوضع الى هجرة الرساميل منها الى أماكن أكثر جاذبية مما دفع نخبها أيضاً الى تحول عنها استثماراً وسكنياً.
في الفترة الممتدة بين 1976 و1982 خسرت طرابلس دورها كعاصمة لكل الشمال عندما أصبحت مدينة جونية مقصد مسيحيي القرى المجاورة، ولكن بقيت محافظة على صلاتها التجارية مع عكار والساحل السوري وكان سوق باب التبانة من أنشط الأسواق في لبنان وكان يؤمن آلاف فرص العمل للسكان. ولكن التغييرات الميدانية التي أحدثها الاجتياح الاسرائيلي ولجوء ياسر عرفات الى المدينة وضعها في مواجهة مفتوحة مع القوات السورية بعد طردها منها، وكانت هذه الفترة التي فتحت جرح خط التماس بين باب التبانة وبعل محسن حين قاتل بعض العلويين الى جانب القوات السورية في مواجهة أبناء مدينتهم لأسباب مذهبية. بعد خروج القوات الفلسطينية سنة 1983 على متن البواخر المصرية هذه المرة، وبعد أن قصفتها القوات السورية بشكل وحشي، سيطرت مجموعة ظلامية تحت اسم حركة التوحيد الاسلامي على المدينة نكلت بالحريات السياسية والدينية وأدخلت المدينة في ثلاث سنوات من عصور الظلمات التي زادت في عزلتها ودفعت المزيد من النخب الى هجرتها وقطعت كل الصلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مع باقي العالم عندما تم اعلانها كإمارة اسلامية. والمفارقة اليوم هو أن معظم أمراء هذه الحركة أصبحوا جزء من المنظومة السورية في المدينة. لقد دفعت طرابلس بين سنتي 1982 و1986 المئات من أبنائها شهداء في المواجهات مع القوات السورية وأتباعها ودمرت مئات البيوت والأبنية وقضي على سوق باب التبانة بشكل شبه كامل. ولم تنتهي الأمور هنا، فبعد اغتيال خليل عكاوي، أحد أهم رموز مقاومة السوريين، على يد المخابرات في أول العام 1986 اختتمت السنة بمجزرة رهيبة ذهب شحصيتها المئات من أبناء باب التبانة على يد عملاء وأفراد المخابرات السورية. واستمر بعدها مسلسل الاذلال والافقار والعزل الى يوم 26 2005 يوم جلاء آخر جنود الاحتلال السوري من لبنان.
إن كل ما تقدم يؤكد على منطقية الخيار السياسي الذي التزمت به المدينة منذ استشهاد الرئيس رفيق الحريري وتمت بلورته في نتائج الانتخابات النيابية التي أتت بالأكثرية النيابية الحالية، وهو خيار يتناسب بشكل كامل مع التزام أهلها القومي العروبي الذي لا يعني بأي شكل من الأشكال التبعية لنظام عائلة الأسد التي تاجرت بالعروبة وبأرواح العرب. رن الحقد على هذا الخيار السياسي هو ما يحكم عقل الحكم السوري فكلف أعوانه ومخابراته بتنفيذ المهمة على الأرض لدفع أبناء المدينة الى الاستسلام أو لتحييدهم على الأقل أو حتى لدفع بعضهم الى خيارات متطرفة تبعدهم عن الالتزام بمنطق الدولة. إن هذا الارهاب الذي افتتحه حزب الله في بيروت ومدده لاحقاً الى البقاع يأتي اليوم الى طرابلس ليكمل المخطط المرسوم لوضع كل هذه المناطق تحت ظل الابتزاز الأمني والاقتصادي ولكن يكفي هذه المدينة أن نتذكر ما حل بها أيام الوجود السوري فيها ليدفعها الى الصمود والمكابرة على الجرح والتمسك بقناعاتها السياسية فما النصر إلا صبر ساعة واحدة.