#adsense

بوش يخوض معركة… التاريخ

حجم الخط

بوش يخوض معركة… التاريخ

يعرف الرئيس الاميركي جورج بوش الذي تشارف ولايته الانتهاء ان ولايتيه الرئاسيتين خضّتا العالم، بل جعلتاه قاب قوسين او ادنى من الفوضى وخصوصاً في مناطق التوتر التي صادف انها كلها، او على الأقل معظمها، في الشرق الاوسط بل في العالم الاسلامي، ذلك ان القرارات الصعبة والجريئة التي اتخذها بعد الاعتداء الارهابي الذي تعرضت له بلاده في 11 ايلول 2001، وفي مقدمها شن حرب عسكرية ناجحة على افغانستان "الطالبان" وضيفها بل شريكها تنظيم "القاعدة" بزعامة اسامة بن لادن، وشن حرب اخرى ناجحة عسكرياً على عراق صدام حسين، وتعهُّده محاربة الارهاب واوكاره والمؤمنين به ومنفّذيه اياً تكن انتماءاتهم الدينية وميولهم السياسية…

هذه القرارات أدخلت العالم بقواه الكبيرة والصغيرة فضلاً عن المتوسطة مرحلة جديدة ووضعته امام خيار من اثنين لا يمكن ان يقبلهما بسهولة: الاول، نجاح بوش في حربه على الارهاب في كل مناطقه وتالياً توظيفه هذا النجاح من اجل ممارسة الزعامة الاحادية الفعلية على العالم مع ما في ذلك من ضرب لموازين قوى سادت من زمان ومن ضرب لمصالح دول كبرى وتأسيس لإمبراطورية اميركية يرفضها كثيرون في العالم سواء المتقدم او النامي انطلاقاً من اقتناع راسخ بأن الانفراد والاحادية يأخذان من يمارسهما نحو الديكتاتورية والشمولية رغم ان النظام السائد عنده ديموقراطي.

اما الخيار الثاني، فهو فشل بوش، سواء جزئياً او كلياً، في حربه على الارهاب، رغم تحول بلاده القوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم، وتعريض المجتمع الدولي كله – سواء من كان منه حليفاً للولايات المتحدة او منافساً لها او خصماً او عدواً سابقاً وربما عدواً محتملاً في المستقبل – لانعكاسات هذا الفشل، رغم انه لم يكن له دور اساسي فيه لا في تقرير الحروب الفاشلة التي انتجته، او من حيث ادارة هذه الحروب من الناحيتين العسكرية والسياسية. وتعريض المجتمع المذكور للأخطار ليس مبالغة، ذلك ان الفشل الجزئي او الكلي انما يجعل المستهدَفين بالحرب – وهم بحسب اميركا بوش وعدد من حلفائها وكذلك العالم وإنْ غير مؤيد له، الاسلاميون الاصوليون المتطرفون – اكثرَ جرأة على التحدي والتصدي للمقاومة واكثر ابداعاً في العمل العسكري النظامي وغير النظامي. ومن شأن ذلك زعزعة الاستقرار اولا في العالم الاسلامي الذي يبلغ تعداد بنيه زهاء مليار وثلاثمئة او اربعمئة مليون شخص، ومن خلاله في العالم، نظراً الى استراتيجيته النابعة من امور عدة: منها الجغرافي، ومنها الاقتصادي الناجم عن الثروات الهائلة فيه وتحديداً النفط والغاز اللذان يشكلان عصب المجتمع الحديث بل العالم كله، ومنها السياسي كون اسرائيل في قلب هذا العالم وهي من هي بالنسبة الى اميركا بل بالنسبة الى كبار العالم كلهم او على الاقل معظمهم.

ويعرف الرئيس الاميركي المشارِفة ولايتُه الانتهاء ان العالم اليوم يواجه الانعكاسات والنتائج للخيار الثاني المفصّل اعلاه، اي فشله الجزئي في نظر البعض من الاميركيين وفي العالم، والاكثر من الجزئي في نظر البعض الآخر من هؤلاء. فافغانستان عاد الارهاب "الطالباني" اليها بعدما عجزت قوات اميركا وحلف شمال الاطلسي عن القضاء على البطالة من افغان وعرب ومسلمين ومن كل اصقاع الارض، وبعدما اعاد هؤلاء بناء قواتهم استناداً الى تحالفات ومساعدات مع جهات اقليمية عدة بينها ايران التي اضافت اميركا معركة جديدة في حربها معها هي الموضوع النووي من دون ان تقرر طريقة حسم هذه المعركة او ربحها على الاقل حتى الآن. وسبب ذلك كان عجز قوات التحالف عن بناء دولة افغانية عادية وليس بالضرورة حديثة. وهو عجز تُسأل عنه دول التحالف وكذلك الافغان. والعراق دخل نفق الحرب الاهلية وعجزت اميركا وحلفاؤها عن اقامة نظام ناجح بديل من نظام صدام، كما صارت نقطةَ الاستهداف المشتركة لكل العراقيين وكل اعدائها الاقليميين الذين استغلوا مأزقها لإضعافها او ربما لإلحاق الهزيمة بها. اما في المناطق الاخرى مثل لبنان وسوريا وفلسطين فحدّث ولا حرج عن الاخفاقات.

انطلاقاً من كل ذلك، وتحديداً من المعرفتين المشار اليهما، يركز الرئيس جورج بوش المشارِفة ولايتُه الانتهاء على تحقيق نجاحات جزئية في الحروب او بالاحرى المعارك التي يخوض كي يكون الإرث الذي سيتركه للاميركيين محموداً وتالياً كي لا يكون التاريخ قاسياً عليه عندما يكتبه المؤرخون الموضوعيون طبعاً. ولذلك فانه يخوض معركة التاريخ.

هل نجح بوش في ذلك؟
لا احد يعرف، لكنه يحاول في ملف ازمة الشرق الاوسط مباشرة ومن خلال الاوروبيين وبمساعدتهم دفع اسرائيل والفلسطينيين للتوصل الى تسوية نهائية او على الاقل الى اتفاق مبدئي او اتفاق اطار يضع الصراع على طريق الحل في صورة جدية. ويحاول في العراق، ويبدو انه حقق بعض النجاح وانْ غير كاف. وفي موضوع الارهاب يبدو انه نجح في تجميد او ربما اضعاف "القاعدة" وانصارها في مناطق عدة باستثناء المنطقة القبلية في باكستان غير الخاضعة لسلطة الدولة. وفي موضوع السياسة الخارجية فإنه يحاول الا يورث خليفته حطاماً بل شيئا قابلاً للاصلاح او للبناء عليه من اجل المتابعة. اما نجاحه في كل ذلك فيتوقف على امور عدة: منها قدرة الحكومة الجديدة في باكستان على العمل والتقرير وعلى تجاوز الخلافات السياسية والشخصية والمطلبية، ومنها نجاح العراقيين في التوصل الى اتفاق مع اميركا حول مستقبل قواتها في العراق، بدءاً من آخر السنة الجارية، يؤمّن مصالح واشنطن ولا يذلها وكذلك مصالح العراق. ويتوقف ذلك الى حد كبير على تطور العلاقة او اللاعلاقة الاميركية – الايرانية. ومنها قدرة اسرائيل اولمرت او من سيخلفه على التسوية مع سوريا ومع الفلسطينيين او رغبتها في ذلك.

المصدر:
النهار

خبر عاجل