بعض الحقائق اللبنانية الراهنة (9 )
بين السيادة والحقائب السيادية!
1 – على رغم مظاهر "الخناقة الكبرى" على تشكيل الحكومة، والتنافس الشديد على الحقائب الوزارية ولا سيما الحقائب المسماة سيادية، يدرك العارفون بخفايا الازمة ان باطن العرقلة في التشكيل هو غير ظاهرها تماما، ويعرفون على وجه الخصوص ان التعطيل الحكومي الذي يكاد يصبح سمة المرحلة المقبلة له منابعه في الخارج، وكل ما يشاع عن معارك تخاض لتحصيل حقوق من هنا، وتعزيز تمثيل من هناك هو جزئية صغيرة في زمن صار الحديث فيه عن وزارات سيادية مدعاة للسخرية ما دامت القضية الاساس تتلخص في اشكالية الحفاظ على سيادة مهددة من الداخل اكثر مما هي مهددة من الداخل. بإختصار، نسأل ما معنى الصراع على الحقائب المسماة سيادية في وقت تعيش فيه البلاد على وقع احتلال اهلي – ميليشيوي في بيروت، و"حملات تأديبية" مسلحة في المناطق، وانتشار افقي وعمودي لقواعد مليشيوية فئوية ممتدة من أعلى جزين الى اعالي كسروان وجبيل والبترون؟ وما نفع مطلق صراع على مطلق حكومة عندما تشارف الدويلة استتباع الدولة بمؤسساتها الدستورية والامنية والعسكرية على حد سواء؟
2 – اسئلة مطروحة، خصوصا ان المزاج العام في المناطق وفي المتنوع اللبناني يكاد ينحرف تماما عن وجهته السامية اي مشروع الدولة والمؤسسات، ودولة القانون والمساواة. فالمطروح في العلن شيء وما يشعر به المواطنون شيء مغاير تماما: هم خائفون، غاضبون، ثائرون. يبدأ حديثهم بلقمة العيش التي تعز هذه الايام، ثم لا يلبث ان ينتهي بهم الامر الى الاستسلام للمزاج الغريزي – الفتنوي. وصار من النادر سماع اصوات معتدلة في التنوع اللبناني ( اي من خارج بيئة "حزب ولاية الفقيه" الضيق). فالتطرف يجر التطرف، والسلوك المليشيوي يستحضر سلوكا مليشيويا مقابلا. من هنا مسوؤلية "حزب ولاية الفقيه" الاخلاقية عن تدمير لبنان مجددا اذا ما انزلق ابناء التنوع اللبناني اي الاستقلاليون، صوب السلوك الميليشيوي. فحذار الاستمرار في لعبة الشد على حبل السلم الاهلي اكثر مما يتحمل لانه اذا ما انقطع ( يكاد ينقطع) سيخرب لبنان بأسره. ولن تقدر كل التهديدات التي اطلقها ويطلقها بعض "الرؤوس الحامية" من "حزب ولاية الفقيه" على منع الناس من ان يثوروا ويلتحقوا بركب الحالة الميليشيوية المشؤومة.
3 – ان التحاق الناس بالركب المليشيوي الذي اطلق العنان له "حزب ولاية الفقيه"، وبالتحديد منذ احتلال بيروت في السابع من ايار الماضي، سيكون الخيار الوحيد المتاح ما لم يسارع رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الى اثبات ان الجيش موجود لحماية الناس، وليس لحماية نفسه من الانقسام فحسب. صحيح ان الخيار صعب، والمشكلة اعمق من ان تُحل بالعصا الامنية، ولكن قريبا جدا سيكون على الرئيس ان يتخذ القرار الصعب: إما المجازفة بوحدة الجيش والتدخل بقوة في وجه الجميع معا عله يُعاد ترميم هيبة الدولة والجيش فيجري وقف الانزلاق، واما بقاء الوضع على ما هو تحت عنوان الامن بالتراضي فيذهب لبنان وبسرعة برقية في اتجاه الحرب الاهلية. وعند ذلك لن ينفع التنافس على حقائب وزارية سيادية كانت ام عادية، فلن تكون هناك سيادة يعتز بها متقاتلون فوق قبور اللبنانيين!