دفع الجهود لتأليف الحكومة مؤشر إلى مرونة تواكب زيارة الأسد لباريس
سوريا تثبت قدرتها المزدوجة على العرقلة والحلحلة
يربط كثيرون الحلحلة المفترضة التي برزت في الموضوع الحكومي في الساعات الـ 48 الماضية بمرونة سورية يسري الكلام عليها في الاوساط السياسية المتصلة بالسوريين ومن يدور في فلكهم، وعلى اساسها تمنى حلفاء النائب العماد ميشال عون عليه ابداء مرونة في التعامل مع الموضوع الحكومي من دون التخلي عن طابع توظيف نتائج هذه المرونة في "الانتصار" وتحقيق المكاسب وإن ظاهريا تحضيرا للانتخابات النيابية المقبلة.
وتبقى هذه الحلحلة متوقعة ومنتظرة خلال اليومين المقبلين حتى اذا لم يشهد مطلع الاسبوع المقبل على ابعد تقدير ولادة الحكومة العتيدة، تصبح ولادتها صعبة جداً نتيجة استنفاد كل الصيغ والمعادلات الممكنة في الظروف الحالية.
والحلحلة قرأ المتابعون السياسيون مؤشراتها في زيارة الوزير السابق سليمان فرنجيه الى قصر بعبدا ودخوله رمزيا او ادخاله لاعباً على خط تشكيل الحكومة مع ابداء استعداده للوساطة بين الرئيس السوري بشار الأسد ورئيس كتلة "المستقبل" النائب سعد الحريري. كما قرأوها في زيارة وفد كتلة "الوفاء للمقاومة" لقصر بعبدا للقاء الرئيس ميشال سليمان وتأكيد الدعم له واستيعاب قدرة المعارضة على المشاركة في تسمية رؤساء الاجهزة الامنية بدل التهديد العلني بالويل والثبور وعظائم الامور تحقيقا لذلك. فضلا عن معطيات تفيد بوجود تعليمات بوقف التصريحات غير المسؤولة من اركان في المعارضة وضرورة التزام كلمات او بيانات مكتوبة على اثر "فورة" الاسبوع الماضي التهديدية للاكثرية وللبنانيين والتي اثارت محاذير ومخاوف لدى الجميع بعدما ترجمت عملياً تصعيداً امنياً في طرابلس. ويربط هؤلاء الاسباب الرئيسية للحلحلة بالزيارة المرتقبة للرئيس السوري بشار الاسد لباريس للمشاركة في "قمة اتحاد المتوسط"، اذ يسود اعتقاد ان الرئيس السوري لن يرغب في مواجهة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وسواه من الرؤساء المحتملين، ومحاولته فتح صفحة جديدة معهم، في ظل المعارضة الشديدة لاستقباله بين الرؤساء المشاركين في القمة وفي ذكرى 14 تموز الفرنسية ايضاً، بسؤاله عن العرقلة الجديدة في موضوع الحكومة بعدما وافق في الدوحة على السلة المتكاملة التي نسب الفضل في حصولها الى مساهمة دمشق ودعمها في الاساس، على ما صرح بذلك المسؤولون السوريون مزهوين بفكرة انهم حققوا ما ارادوا عبر هذه السلة.
اضافة الى ذلك، ثبت من خلال عرقلة تأليف الحكومة في لبنان قدرة سوريا على عرقلة كل امر عند كل محطة بواسطة حلفائها بعد عرقلتها لاكثر من ستة اشهر انتخاب رئيس جديد للجمهورية. ثم ان المجال سيكون متاحا لها لاثبات سيطرتها او بالاحرى استعادة بعض نفوذها او الكثير منه عبر الخطوة التالية المتمثلة في البيان الوزاري، وبعده في كل قرار من قرارات الحكومة. فبعدما طال امد تأليف هذه الحكومة التي ستشهد النور "بشق النفس"، لا يعول عليها الكثير في الواقع، بل على النقيض بات اللبنانيون مهيئين لوضع صعب وقد يصعب اكثر حتى الانتخابات النيابية المقبلة على الاقل كمحطة حاسمة.
ويعتقد بعض المطلعين انه يجب عدم تحميل موضوع الانفتاح الفرنسي اكثر مما يتحمل، علما ان الاعلان عن استقبال وزير الخارجية برنار كوشنير الاسبوع المقبل رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط والوزير مروان حماده قبل يوم من استقباله وزير الخارجية السوري وليد المعلم، ولو أرجئ الى وقت لاحق، يحمل اشارة رمزية بالغة الاهمية، خصوصا ان كوشنير تحفظ بدوره عن مشاركة الرئيس السوري في العيد الوطني الفرنسي. بل يعتقد المطلعون ان الحلحلة السورية، اذا ثبتت باعتبار ان الافرقاء دأبوا على اعتماد لغة مزدوجة لا يمكن معها التمييز بين تجاوب حقيقي مع الجهود المبذولة وتجاوب وهمي لا يرمي الا الى التعمية على العرقلة الحاصلة، فانها تتصل على الارجح بدخول سوريا مرحلة جديدة تقتضي مرونة من قبلها بعدما اصبحت في اجواء سياسية تستدعي ذلك فعلا. وهذه المرحلة يترجمها دخول سوريا في مرحلة معاودة المفاوضات مع اسرائيل عبر تركيا، وتاليا محاولة كسب النقاط واسترجاع بعض الموقع الاقليمي نتيجة لهذا الملف وبالتحديد في المهلة الفاصلة عن وصول ادارة اميركية جديدة الى البيت الابيض. ولذلك يعتقد ان سوريا هي في مرحلة استرضاء الغرب وصولا الى الولايات المتحدة، ولكن من دون اغضاب حلفائها اللبنانيين وغير اللبنانيين وفي مقدمهم ايران. ولهذا السبب تأخذ سوريا وقتها حتى في حلحلة الامور في لبنان وتتقدم خطوة خطوة نحو اعادة اكتساب بعض الاحترام والاهتمام الدوليين، وتسعى على عادتها الى المقايضة على هذه العناصر من دون ان تخسر شيئا في الواقع، باعتبار ان لبنان هو المرآة الفعلية لكل التغييرات المحتملة التي تعبّر عنها سوريا مباشرة او مواربة. وسيكون لها كل المدة الكافية لذلك الى حين تسلم الادارة الاميركية الجديدة الفرصة لاعادة الامساك ببعض الاوراق التي تؤهلها لفتح حوار مع الادارة الجديدة.