#adsense

ذلك اللبنان راح

حجم الخط

ذلك اللبنان راح

تقول التطوّرات والأحداث والحروب والأزمات المتواصلة منذ نيٍّف وثلاثين سنة ان لبنان الذي تعلَّق به اللبنانيون والعرب والعالم قد انتهى. راح ولن يعود.
وراحت معه تلك التركيبة، وتلك الصيغة، وتلك السمات والاشراقات التي ميّزته عن محيطه طوال حقبة تراءى خلالها بلد الثماني عشرة طائفة كأنه الجنة على الارض.
أو المدينة الفاضلة.
أو جمهوريَّة أفلاطون.
أو سويسرا الشرق.

وتراءت بيروت كأنها عاصمة مشتركة لمختلف البلدان والأقطار العربيَّة.
وتراءت هذه البقعة الصغيرة من الجغرافيا كأنها المكافأة الكبرى لشعوب المنطقة، سواء من حيث الجمال والمناخ والعيش الهنيء، أم من حيث النظام الديموقراطي البرلماني والحرية الفالتة على حلّ شعرها حتى الجنون.
أم من حيث الأمان والطمأنينة وراحة البال، وسهولة العيش بين شعوب وقبائل انسجمت في صيغة فريدة، لم يبق شاعر أو كاتب عربي إفرنجي الا وتغزَّل بها وحسٍد اللبنانيّين عليها.

هذا كله راح. راح الى الأبد. راحت كل المواصفات والحسنات التي جعلت لبنان مقصد السيّاح، والزائرين، والمثقفين، والفنانين، والمطربين، والمبدعين جميعاً من أربع رياح الأرض.
واستقرَّت الحروب الكونية التي شنها اللبنانيون على اللبنانيّين ولبنان، بتشجيع وتحريض من الخارج، على هذا اللبنان الذي ينتفض بين أيديهم اليوم كالعصفور الجريح الذي يعاني سكرات الموت.

لقد هَزُل كل شيء حتى الثمالة. حتى الانهيار. حتى الاضمحلال والانحلال والتفتُّت.
هزلت الحياة الثقافية والفنّية والحركة الابداعيَّة بصورة عامة، حتى رست على الإسفاف والابتذال. وحتى بدا بلد الإشعاع والنور والتألَّق كأنه قطعة من صحراء مهملة خارج خليج الذهب الأسود والأبيض، والمدن المعلقة، وناطحات السحاب العائمة فوق الرمال والسراب.

وهَزُلت الحياة السياسيَّة حتى بانت نواجذها، وبانت هشاشتها، وسامها كل مفلس وكل طارئ على السياسة وكل من حوى جيبه حفنة من الدولارات، وكل من حوى ماضيه أو حاضره مستودع دم أو مستودع سلاح، وكل من قال نعم لهذا الجار أو تلك الجارة.
اما الحياة الاجتماعية فتبدو كأنها ليلة البربارة، أو ليالي بربارة لا يفصل بينها غير تفصيلات وتغييرات طارئة في وجوه النساء، وخدودهنَّ، وشفاههنَّ، وصدورهن، ومؤخراتهنّ ومقدّماتهنَّ …
وسَهَر كاحتفالات الهنود الحمر قبل الذهاب الى الجبهة، أو قبل تقديم الذبائح.

هزلت على كل المستويات، وفي كل الحقول والنشاطات، حتى بدا لبنان اليوم تماماً كالماء، بلا لون ولا طعم ولا رائحة.
فكيف يمكن ان تكون المجالس النيابيَّة، وكيف يمكن ان تكون الحكومات، وكيف يمكن ان يكون الوزراء والمسؤولون والحكام، بالجملة والمفرَّق.
منذ شهر بالتمام والكمال والبلد يعاني الأمرَّين، تتهدده الحروب الطوائفية والمذهبيَّة والقبائليّة، في ساحة التدافع والتراشق والكباشات والصراعات والدكّات والرعبات حول الحقائب الوزارية. والمطلوب حكومة عادية تمشَّي البلد والشغل، وتقطع الطريق على الفتن المتنقلة.
وفي مشاهد تقشعرُّ لها الأبدان.

وفي نزالات كلاميّة يخجل منها وبها شذاذ الآفاق. وفي شروط ومطالب لا يراد منها الاّ المزيد من التعطيل والأذى والضرر والتشرذم وتسميم الأجواء.
فأيَّة حكومة، وأيُّ وزراء، وأيُّ قيادات ومرجعيّات، وأية عصفوريَّة زرعتموها على أطلال بلد سَحَرَ الشرق والغرب، وأغوى بجماله وفرادته كل من زاره أو سمع عنه؟
إذا وُسٍّد الأمر لغير أهله، فانتظروا الساعة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل