أن تكون قادماً من بيئة شيعية بعد 8 أيار 2008
داليا عبيد – عباس ابو زيد
(داليا عبيد باحثة واستاذة جامعية عباس ابو زيد ناشط في المجتمع المدني)
ما بعد اجتياح بيروت الاخير، تغيرت صورة العاصمة، فاتشحت بالسواد وغُيبت بقية الألوان الى حين، بعد محاولة المجاهدين وضع العاصمة عبر "عملية موضعية" تحت سلطة ولاية الفقيه، في إنتظار عودة صاحب العدل الى هذه الارض. فإلتهبت عيون الناس وبدأت رحلة التفتيش عن روائح البارود الأسود في الأجساد.
أصابت هذه اللعنة جزءا كبيرا من اللبنانيين الذين رقصوا رقصة الطوائف على وقع إتفاق تسوية آخر أو "إتفاق ترقيع" لبناني جديد.
أما الآتون من البيئة الاجتماعية التي حاصرها "حزب الله" وحولها الى بيئة مدجنة، فقد أصابتهم لعنة أخرى سببها انتماؤهم الى مشارب علمانية وحملهم لتوجهات إستقلالية، مما عرّضهم للخوف من النظر الى عيون بيروت وللإحساس بالخجل من هذه المدينة.
بعد هذه الحرب تكوّن شعور لدى هؤلاء بانهم تحولوا الى مبعدين عن العاصمة حين تعرضوا لتساؤلات من قبل الفئة المستهدفة بعد ان أصابتها أيضاً لوثة التعصب المذهبي.
حتى شعر المبعدون بأن عليهم أن يبذلوا جهوداً عسيرة وان يطلقوا المزايدات وان يجهروا بطائفتهم (المفروضة عليهم بحكم النظام الطائفي اللبناني) وبعدائهم للسلاح في آن واحد ليثبتوا للذين حوصروا في الحرب بانهم هم ايضاً كانوا تحت الحصار وليعللوا إنتماءهم لبيروت، تلك الحاضرة المتوسطية الكوسموبوليتية الفاتحة ذراعيها لحضارات العالم.
انطلاقاً من هنا ونتيجة لتجربة مفعمة بالإحباط وبالإبعاد، أحسسنا أنه علينا ان نحدد ما يعني، بعد 8 أيار 2008، ان تكون قادماً من بيئة شيعية وفاتحاً ذراعيك للسيادة والاستقلال والتنوع وحاملاً في قلبك نبضات التخلص من الذل الطائفي والسعي نحو تطويب لبنان بعلمنة قد تمنع عنه كل اللعنات.
أن تكون بهذه المواصفات يعني ان تتعرض، من قبل حملة السلاح، للتشهير وللتخوين وللتصنيف بالعمالة لتتربع على عرشها، وان تدخل في سباق المقاومين للعدو الاسرائيلي نحو معترك فيه أسياد وعبيد وان يصبح حديثك في البيئة التي ولدت فيها غير مفهوم الى درجة إحساسك بفارق في الزمن وبفارق في الثقافة وبفارق في اللغة التي لا تعود عربية واضحة المعالم.
أن تكون بهذه المواصفات، يعني أن يتعرض بيتك في خضم الإستقواء بالسلاح للمداهمات وان تتعرض شخصياً للضرب والتهديد وللقهر ولإستذكار خيالات ماضية من سيناريوات الحرب الاهلية اللبنانية.
أن تكون بهذه المواصفات، يعني أن تتخلى مجبراً بعد أحداث أيار الاخيرة عن العيش في أماكن متنوعة ثقافياً واجتماعياً وطائفياً وسياسياً لتجبر على العيش في بداوة مستمرة ومتنقلة حسب الظروف، ظروف المعارك وتفاصيلها. فتحمل معك احباطاً يسير أزلياً ويأساً من التوق الى التغيير وتخاف ان تترك وراءك حلماً كونته في اللاوعي ليترعرع فيه. هذا الحلم الذي انتشيت برسم "دواويره" في الهواء وصرت توَضّبه كما توَضّب أمتعتك لتحمله معك الى مسير آخر، بحثا عن امكانات العيش تحت مظلة دولة مدنية.
أن تكون بهذه المواصفات يعني ان تضيع في خضم الحقد المتبادل بين الاطراف المتصارعة في حرب شوارع بيروت الاخيرة وان تحرقك النظرات الحاقدة والحذرة خلال حوار الشرفات والاحياء المتلاصقة المتباعدة لانك لست وسط العقد ووسط التعاقد والتباعد بين الطوائف.
أن تكون بهذه المواصفات يعني ان يتحول الهوى الاستقلالي الى مصدر لهواء عنصري يطالك من الداخل لانك قادم من مناطق الآخر، هذا الآخر الذي حشر الوطن في زاوية السلاح وحشرك في فوهة البندقية.
أن تكون قادماً من بيئة شيعية وفاتحاً ذراعيك للسيادة والاستقلال والتنوع هو ان تدخل في لعبة الخروج من معادلة الربح والخسارة، وتكرار الخروج المستمر لتنضم الى سرب المواطنين غير المؤمنين بالطوائف والمستهدفين مثلك في فورة الإدعاء بالنقاوة وبالقداسة، فتوشوش معهم عن مصائر امثالكم في الغرف المغلقة ليس خوفا من محاكم تفتيش جديدة ولا من لجان الامر بالمعروف و النهي عن المنكر، بل اقتناعا بأن لا حياة لمن تنادي وسط هدير فشل النظام اللبناني في انتاج شكل ما لدولة ما.
في خضم هذه الوشوشة المعلنة تصير تسأل معهم:
اين وجودنا وسط الكره المتبادل؟ واين أصواتنا في إنفلات السلاح من وعده وفي إنفلات الحقد من بؤر تاريخية يسكنها من لا يريد أن يخطو الى الأمام.
و أين سوف تقذفنا التسويات والهدنة الموقوتة؟ و هل المطلوب منا ان نفتش عن وطن آخر واعلان حالة الرحيل المستمر؟
وهل يحتمل، اصلاً، هذا العمر المحمّل بهواجس الانتماء والتغيير والتطور واغناء التنوع، رحيلاً آخراً؟
والى أين نشد رحالنا هذه المرة؟ ألا يكفي هذا الكم المتراكم من المنافي التي دُفِعنا إليها؟ ليس إلا لأننا اخترنا الإختلاف عن المجموع، مشبعين بكل ألوان البيئة التي إنطلقنا منها الى ثقافات وبيئات ومعتقدات متشابكة، كتشابك انتمائنا لهذا الوطن المتعدد الثقافة والمعتقد والدين والعرق واللغة، فعشنا الآخر وهواجسه وأحلامه، وتصالحنا مع أنفسنا ومعه لنندمج في لون واحد هو لون مساحة التاريخ والجغرافيا والأحلام التي يتكون منها لبنان؟