#adsense

المسألة الأمنية جزءٌ من “اتفاق الدوحة” وتستدعي تطوير آليات عربية

حجم الخط

رغم أهمية وجود وزارتَي الدفاع والداخلية في عهدة الرئيس
وفي موازاة شروط "حزب الله" على الأمن ومؤسساته
المسألة الأمنية جزءٌ من "اتفاق الدوحة" وتستدعي تطوير آليات عربية

تشكيلُ الحكومة بين "هبّة باردة وهبّة ساخنة" كما يُقال. قد تبصرُ الحكومة العتيدة النور قريباً وقد تتأخر. بيد أن المسألة الأمنية، في هذه الأثناء، هي أكثر ما يشغل اللبنانيين ويهمّهم.

الدفاع والداخلية في "يد" سليمان

ثمّة إشارةٌ أولية إلى انّ المسألة الأمنية ستكون ـ في الحكومة المقبلة ـ في يد أمينة هي يد رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، إذ من الواضح ان حقيبتَي الداخلية والدفاع ستُسندان إلى مقرّبين منه، وقد تجاوزت مشاورات التشكيل هذا الأمر على ما يبدو. وبمجرّد أن تؤول الوزارتان إلى الرئيس، أي من ضمن "حصّته"، فانّ ذلك يريح اللبنانيين.

ذلك انّ اللبنانيين يرتاحون عندما لا يرون مَن يمتلك السلاح ـ من خارج الدولة ـ أو مَن يغطّي هذا السلاح، في موقع المسؤولية السياسية ـ والإدارية ـ عن الأمن اللبناني الشرعي. ويرتاحون عندما يكون الأمن الشرعي في عهدة جهة مؤمنةٍ بالدولة وبالأجهزة الأمنية وبضرورة تطويرها بحيث ترتقي إلى مستوى القدرة على حماية العمل السياسي ضمن المؤسسات وفي إطار القواعد الديموقراطية من ناحية، وحماية المواطنين الذين يشعرون أفراداً انّ أمن كل منهم مهدّد في هذه الأيام من ناحية أخرى.

..لكن "الثلث المعطّل" بالمرصاد للتعيينات

بيد انّ وضع الوزارتين "الأمنيّتين" في عهدة رئيس الجمهورية في الحكومة العتيدة ليس سوى خطوة أولى، ولو أن هذه الخطوة رئيسية وجوهرية.
ذلك انّ الحكومة ستكون بعد تشكيلها، معنية بعددٍ من التعيينات في المؤسسات الأمنية، لا سيما تعيين قائد جديد للجيش. وأخذاً في الإعتبار ما يعلنه "حزب الله" في الآونة الأخيرة، أي إعلانه مسبقاً انّه "لن يرضى" بأن يتولى أيّ ضابط أيّ مسؤولية أمنية ما لم يكن إجتاز "إمتحان قبول" لدى الحزب، فمعنى ذلك انّ "حزب الله" وحلفاءه سيستخدمون "الثلث المعطّل" في وجه أي تعيين "غير ملائم".

ومقياس "عدم الملاءمة" واضح. فاذا كان ولاء الضابط للدولة، أي لقيادته الملتزمة بالولاء للدولة فهو مرفوض. أمّا إذا كان الضابط "متعاوناً" مع "حزب الله" أي مستعداً لتسهيل "أمور" الحزب و"تزميط" مطالبه وتغطية ممارساته هنا وهناك، فهو الضابط المقبول.

ليس معلوماً مَن مِن الضبّاط الموارنة المؤهلين لقيادة الجيش يلائم "حزب الله"، وما إذا كان هكذا ضبّاط موارنة موجودين أصلاً. غير انّ ما يطرحُه "حزب الله" أبعد من محاولة "إنتقاء" مِن بين عدد من الضبّاط. إنّ ما يطرحُه "فرزٌ" بين الضبّاط على أساس سياسته هو، أي انه يفرضُ سياسته على المؤسسة مدخلاً إلى فرضها على الدولة.

ويعطّل تحسّن الأمن الشرعيّ

سوف ينتُج عن ذلك أن لا يتم تعيين قائد جديد للجيش وأن لا تحصل تعيينات أخرى. ويمكنُ للأكثرية أن تستخدم "ثلثها المعطّل" هي أيضاً. وبكلامٍ آخر، استناداً إلى ما هو قائم، ليس متيسّراً التوصّل إلى نتيجة في هذا المجال، طالما انّ "حزب الله" يضع المقاييس ويفرضها في إطار رؤيته لـ"الدولة" ومؤسساتها. و"الأهم" انّ مؤسسات أمنية بلا تعيينات، وفي مرحلة هي الأخطر على البلد، تعني انّ الأمن اللبناني الشرعيّ لن "يتحسّن" وسيبقى أداؤه "بينَ بين" في "أحسن الأحوال".

ما بعد 7 أيار: الدوحة وخطاب القسم

ما العمل حيال ذلك؟.
ثمّة اعتقادٌ على نطاق سياسي ـ وشعبي ـ واسع انّ ما بعد 7 أيار 2008 غير ما قبله. في 7 أيار وما بعده شهر "حزب الله" سلاحه في وجه الداخل اللبناني بمعظم فئاته وطوائفه ومناطقه. ولا تزال "الفتن المتنقلة" متواصلةً. وقد وجّه الحزب سلاحه إلى الداخل بهدف "سياسي" هو كسر التوازن السياسي في البلاد. وكسرُ التوازن السياسي بالقوة المسلّحة لا حدود زمنية له، وقد يكون حدّه الزمني موعد الإنتخابات النيابية المقبلة. وله علاقة بحسابات داخلية وإقليمية لدى "حزب الله".

لا يمكنُ إذاً القفز فوق هذا المعطى. والدليلُ على انه لا يمكن القفز فوق هذا المعطى، هو انّ "إتفاق الدوحة" لحظه في إتجاهين. الأول عندما أكد تحريم إستخدام السلاح في الخلاف السياسي ولتحقيق مكاسب سياسية. والثاني عندما شدّد على حصرية الصلاحيات العسكرية والأمنية في يد الدولة، داعياً إلى حوار وطني من أجل تحقيق سيادة الدولة على كلّ الأرض اللبنانية. والدليلُ الآخر هو انّ الرئيس سليمان في خطاب القسم يوم إنتخابه، "ترجم" ما ورد في "إتفاق الدوحة" بكلامِه عن خطيئة توجيه السلاح إلى اللبناني الآخر وبتأكيده على انّ الحاجة باتت ملحّة إلى "إستراتيجية دفاعية" تؤطّر سياسة الدولة في المجالين العسكري والأمني.

ثمّة إذاً مرجعية لـ"المسألة الأمنية" هي "إتفاق الدوحة"، ومرجعية أخرى هي خطاب القسم. أمّا مرجعية المرجعيات فهي إتفاق الطائف.
ومع ذلك، لا تبدو الأمور بهذا "المنطق" عند "حزب الله". فهو إستمر في استخدام السلاح بعد "إتفاق الدوحة" للضغط السياسي. وهو إستمر في الحديث عن سلاحه بوصفه "سلاح مقاومة". وهو ذهب إلى تأكيد انّ هذا السلاح سيبقى حتى "لو زالت كلّ الذرائع".

واللافت انّ "حزب الله" الذي يطلق هذه المواقف ويؤدي هذه الممارسات، لا يكتفي في لحظة معينة بوضع "الولاء للمقاومة" ـ أي له ـ في مواجهة الولاء للدولة عند تناوله المؤسسات الأمنية، بل هو يؤشر باستمرار إلى "عقيدة الجيش" وأبرز ركن فيها من وجهة نظره أن تكرّس مجموعةٌ من "الثنائيات" بين الجيش وجناحه العسكري ("المقاومة")، بين الأمن الشرعي وأمنه "الخاص"، أي لا دولة في نهاية المطاف.

من هنا، يبدو واضحاً انّ "المسألة الأمنية" ليس فقط تواجه تعقيدات "حزب الله" وإشتراطاته ومعاييره.. والأمر الواقع الذي يفرضه، بل يبدو انّ الحزب يريد الإطاحة بفرص الحوار الوطني بشأنها، أو انه يريد في الحدّ الأدنى منع هذا الحوار من التوصّل إلى تحقيق "وحدانيّة" العسكر والأمن.

"النقص" في "إتفاق الدوحة"

في هذا السياق، هناك ـ في الوسط السياسي والشعبي الواسع ـ مَن يقيم على قناعةٍ بأن ثمّة نقصاً في "إتفاق الدوحة".
يبدو انّ العرب، أي اللجنة الوزارية العربية، يميزون بين مساعدة اللبنانيين على "التوصّل" إلى الإتفاق وبين مساعدتهم على "تنفيذه". إعتبروا مساعدة اللبنانيين على إنجاز الإتفاق مهمّة عربية، ويجب الإعتراف بانّ التوصّل إلى الإتفاق لم يكن ممكناً من دون الدور العربي، في حين يعتبرون تنفيذه مسألةً لبنانية ـ لبنانية.

يمكنُ إلى حدّ كبير فهمُ هذه "المعادلة"، وفهمُ عدم التدخل العربي في مسألة تشكيل الحكومة. غير انه يصعُب فهمُ ترك اللبنانيين أمام المسألة الأمنية وإستعصاءاتها. فحتّى جهة مراقبة عربية للوضع الأمني في لبنان غير موجودة.

المسؤولة العربية

في "إتفاق الدوحة" نصّ على مساهمة عربية في الحوار اللبناني برعاية رئيس الجمهورية. بيد انّ آليات تثبيت "الإلتزام" العربي بالإتفاق وتأكيد المرجعية العربية عن الوضع اللبناني حتى تنفيذ الإتفاق بكامل بنوده ومحتوياته، والتدخل لحماية لبنان واللبنانيين من الموجات الأمنية المتعاقبة، غير موجودة.

ولذلك، فانّ تجديد الدخول العربي على الخط لا يشكّل تجاوزاً على المهمة العربية "الأصلية". وهذا الدخول العربي هو في الأصل مكوّن أساسي في توازن "إتفاق الدوحة".. وإلا صار تنفيذه رهناً بتوازن قوى يُفرض بالقوة العسكرية، وهذا ما حدا بالمجتمع العربي إلى جمع الأطراف في الدوحة أصلاً. ولا مبالغة في القول تالياً انّ المسألة الأمنية في لبنان بقدر ما هي في عهدة رئيس الجمهورية، هي في عهدة العرب أيضاً.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل