بعض الحقائق اللبنانية الراهنة (9)
أين صارت الرئاسة؟
-1 مرّت أسابيع قليلة على انتخاب الرئيس ميشال سليمان رئيسا توافقيا، وكان الظن ان القوى السياسية ستمنح الرئيس الجديد الآتي بعد ازمة خارجية – داخلية كبرى فرصة لينطلق في عهده بشيء من القوة والزخم، بدءا بالتعامل الايجابي والهادئ مع مضمون خطاب القسم، وصولا الى اعطائه هامشا مقبولا للتعامل مع اشكالية الحكومة التي تمثّل امتدادا للمعركة بين خيارين تاريخيين متناقضين على ارض لبنان: خيار لبنان الوظيفة الاقليمية من جهة، ولبنان الاستقلال والسيادة والحرية من جهة اخرى.
وساد لوهلة اعتقاد مفاده ان الرئيس الجديد ستكون له هوامش واسعة موضوعيا جراء الانقسام الكبير وعجز الافرقاء الداخليين عن ابتكار الحلول الوسطية، ولكن سرعان ما تبدّد الاعتقاد ومعه الامل بأن يكون زخم انطلاقة العهد قويا على قاعدة حاجة كل القوى الى استراحة سياسية.
-2 الآن، وبعدما نقل عن الرئيس ميشال سليمان انه بات يفكّر جديا في اشهار سلاح الموقف، صار لزاما عليه ان يمضي الى النهاية في ما يلوّح به على صعيد معنوي. فالتآكل الذي اصاب الرئاسة في الاسابيع الاربعة الاولى للعهد توازي بالسياسة قرابة السنوات الخمس من عهد رئاسي، وخصوصا ان ثمة ملفين جوهريين عالقين هما الامن والحكومة، ولا يمكن رئيساً آتياً من توافق وطني ومؤسسة عسكرية ان يفشل فيهما وهو لا يزال في منطلق عمره الرئاسي. والملفان مترابطان الى حد بعيد، مع اننا لا نعتقد ان الانزلاق الامني في البلاد سببه ازمة التشكيل كما يقولون. فالحاصل ان 7 ايار مستمر وبأشكال مختلفة، منها الميداني من البقاع الى الشمال، ومن اعالي جزين الى اعالي صنين وصولا الى جرود عكار نفسها، دون ان ننسى لحظة واحدة ان العاصمة بيروت مدينة محتلة بكل المقاييس. وهناك ازمة تشكيل الحكومة بخلفياتها الاقليمية المتمثلة بالفرملة الايرانية لكل ايجابية في التعامل مع الملف اللبناني، والانتهازية السورية لاقتناص مكاسب اضافية، وخلفيتها المحلية المتمثلة بدفع "حزب ولاية الفقيه" البلاد عمدا الى الاهتراء ضمن سيناريو وضع اليد على البلاد من اقصاها الى اقصاها –ازمة الحكومة هذه تمثّل ترجمة لما يتجاوز الواقع السياسي بصورته التقليدية. وهنا فإن الرئيس ميشال سليمان الذي اصبح حارسا للدستور والوطن في آن واحد مدعو الى احد امرين: اما الاستمرار في الليونة تحت شعار الوفاق في كل شيء، وأما التفكير ملياً في مواقف حازمة تبدأ بطرحه مع الرئيس فؤاد السنيورة تشكيلة وزراية غير قابلة للتفاوض، وتنتقل فورا الى التعامل مع الفتنة المتنقلة على الارض بقوة عبر اعطائه اوامر للجيش بالتصدي الحازم لكل عبث امني ايا يكن مصدره.
-3 ان الرئيس سليمان مدعو اليوم الى التفكير بجدية في التوجه الى اللبنانيين برسالة مباشرة يطرح فيها تصوره للحكومة، معلنا انه قرر تقديم الصيغة الحكومية التي يعتبر انطلاقا من موقعه الوفاقي والوطني انها منصفة للجميع، ثم معلنا انه اعطى تعليمات مشددة للجيش بالتعامل بكل شدة مع اي اخلال بالامن اينما كان، لأنه لم يعد جائزا ان يبقى العهد من دون حكومة بعد مرور اكثر من شهر، كما لم يعد مقبولا التمترس خلف شعار الامن بالتراضي بداعي حماية وحدة الجيش، لأن ما من جيش في العالم يمكنه البقاء موحّدا اذا استمرت البلاد في الانحدار نحو حروب اهلية متنقلة من الشمال الى الجنوب.
-4 ندعو الرئيس الى حماية عهده من التآكل السريع. وهكذا يحمي ما تبقى من لبنان موحّد، او يكون البديل اشتعال حرب مفتوحة بين لبنان "حزب ولاية الفقيه"، ولبنان الاستقلال والتنوع، ولا ينجو احد من ركاب طائرة بلا ربّان!