لأن المزيد من الاستسلام للعقبات ينهي لبنان أمنياً واقتصادياً ويضرب العهد
سليمان والسنيورة أمام استحقاق مسؤوليتهما الدستورية في اعلان الحكومة
تتعامل أوساط سياسية واسعة الاطلاع مع تعثّر المحاولة الأخيرة لتشكيل الحكومة بمنطق مختلف تماماً عن ذلك الذي يسوقه مسؤولون وسياسيون، محملين تبعة التعثر لمعرقلي هذه المحاولة فقط وتحديداً العماد ميشال عون. فمع ان الوقائع تثبت ان العرقلة حصلت عبر رفض العماد عون العرض الأخير الذي قدمه اليه رئيس الوزراء المكلف فؤاد السنيورة بصرف النظر عن الاسباب التي أدت الى فشل هذه المحاولة، فان الاوساط السياسية الواسعة الاطلاع تعتبر ان الاستغراق في دائرة الاتهام والاتهام المضاد لم يعد يبرر للمسؤولين المباشرين عن تشكيل الحكومة المضي في مزيد من التأخير لان مسؤولية هذا التأخير سترتد عليهم مباشرة في النتيجة. فاهمية المحاولة الاخيرة تكمن في انها شكلت رفعا للمسؤولية على نحو نهائي عن رئيس الجمهورية ميشال سليمان وعن الرئيس السنيورة لحسم تشكيل الحكومة وفق ما يقتضيه المنطق الدستوري وليس الواقع السياسي. فبعد مضي شهر وأسبوع على محاولات التشكيل، بعكس كل الاصول الدستورية بحيث ترك للقوى السياسية الهامش المطلق في تسمية ممثليها واختيار حقائبها بقطع النظر عن اي اهلية أو كفاية في هذه العملية الغريبة، لم يعد جائزا ان يمدد العمل بهذا النمط بمزيد من المحاولات التي لن تفضي على الارجح الا الى مزيد من تضييع الوقت لان كل طرف وضع سقفه الاعلى وبات أسيراً له، ومن غير المتوقع ان يعود عن هذا السقف.
ويملك الرئيسان سليمان والسنيورة، بحسب هذه الاوساط غطاء وافيا للسير قدما بمثل هذا الخيار. فمن جهة، ثمة وضع أمني بالغ الخطورة يتمثل في ما تشهده طرابلس من تفجيرات وعمليات ثأرية متبادلة يصعب على القوى الامنية ضبطها وقمعها مع تفشّي مناخ مذهبي مخيف ينذر بالتمدد الى مناطق أخرى. ولعل اخطر ما في هذا الوضع انه يجري من دون اي غطاء سياسي من اي طرف محلي، مما يعني ان الانفلات الامني بات خارج القدرة على السيطرة ما لم يظهر الافرقاء السياسيون نية جازمة للتصدي له ومواجهته عبر تسهيل تشكيل الحكومة بالصورة التي يجب ان تصدر بها عن رئيسي الجمهورية والحكومة. ومن جهة اخرى ثمة وضع سياسي بات افضل بكثير مما كان قبل عشرة ايام مع ملامح مرونة سورية حيال تأليف الحكومة قبل زيارة الرئيس السوري بشار الاسد لفرنسا والاشارات المماثلة التي صدرت عن قوى في المعارضة. اذ شكلت على الاقل تحفيزا للعماد عون على تسهيل تشكيل الحكومة ولبعض القوى المعارضة على تشجيع الرئيسين سليمان والسنيورة على المضي في الخيار المتاح، ما دام لا يمكن ان يرضيا الجميع. يضاف الى ذلك ان المفاوضات الاخيرة بين الرئيس المكلف والعماد عون اذابت الكثير من الجليد واحدثت مناخا معقولا الى حد ما، حتى لو لم تتوصل الى نتائج حاسمة.
ومن العوامل التي لا تسمح بالتساهل اكثر من ذلك، ان اللبنانيين جميعا يعانون وضعاً اقتصادياً يستنزفهم مع عودة الظاهرة الخطرة التي يتكرر حصولها للسنة الثالثة على التوالي، وهي ضرب موسم الاصطياف والسياحة عشية بدئه بتطورات امنية تمنع لبنان من الافادة من مليارات الدولارات التي يمكن ان ينفقها اكثر من مليون سائح في ربوعه، مما لم يعد يقنع اللبنانيين بـأن تكرار هذه الظاهرة يحصل من طريق المصادفة وليس من طريق المؤامرة على اقتصاده واستقراره وعافيته ومستقبله. وهذه العناصر ينبغي ان يوظّفها الرئيسان سليمان والسنيورة من اجل حماية اللبنانيين ومصلحتهم على حساب اي مصلحة أو اعتبارات سياسية شخصية مباشرة لاي فريق مهما علا شأنه.
وسط هذه المعطيات، ترى الاوساط المعنية انه لا يمكن رئيس الجمهورية ولا الرئيس المكلف بعد الآن التسليم باستمرار العقبات وترك الازمة مفتوحة من دون افق زمني محدد،لانهما في النهاية المسؤولان المباشران دستوريا عن اخراج التشكيلة الحكومية واعلانها، لان سليمان لا يمكن أن يسلّم طوعا لاي معرقل لانطلاق عهده خصوصا بعدما استنفدت كل المحاولات للمجيء بتشكيلة توافقية وفق ما نص عليه اتفاق الدوحة الذي ظلم رئيس الجمهورية باعتراف الجميع. اضف الى ذلك ان المحاولات التي ساهم فيها سليمان بالذات والدعم الدولي له يبرران له اي خطوة حاسمة يأخذها في هذا الاتجاه مع التغطية شبه الكاملة من الداخل أيضاً. فهناك حاجة ماسة الى توظيف الدعم الخارجي من اجل مساعدة لبنان مع انطلاقة العهد وليس الى اليأس الدولي من لبنان على رغم بدء عهد جديد، خصوصا مع أولويات اقليمية خطرة تتقدم الاولوية التي يشكلها لبنان وقضاياه حتى الان.
ويشار الى ان رؤساء بعثات ديبلوماسية عدة باتوا يستخفون بالقضايا الصغيرة والحسابات التي يقدمها بعض الزعماء اللبنانيين على حساب لبنان واللبنانيين، بمن فيهم مناصروهم الذين يشكون هم أيضاً من الاوضاع الاقتصادية والامنية من دون ايلاء اي اعتبار لمصلحة لبنان. فيما يستغرب بعضهم هذا الهوس لدى فريق من اللبنانيين لتجيير العرقلة التي يضعونها أو الحلحلة التي يقدمونها لاحقا لمصلحة تدخّل دول اقليمية تقف بالمرصاد للوضع في لبنان وتوظّف كل تفصيل فيه لحسابها، فيما هؤلاء الزعماء يرفعون شعارات الوطنية والدفاع عن لبنان، الأمر الذي يدفع كثيرين منهم الى اليأس ليس فقط من السياسيين بل أيضاً من استمرار دعم اللبنانيين العاديين للمنطق الذي يرفعه هؤلاء السياسيون، وهو ما يحذّر من نتائجه بعض رؤساء البعثات الديبلوماسية الذين أكدوا عدم رغبة كثيرين في "التورط" بأي وساطة أو الدخول في التفاصيل الصغيرة في موضوع الحكومة، وربما لاحقا في مواضيع أخرى أيضاً يحتاج فيها لبنان الى المساعدة.