#dfp #adsense

لا استقرار إلاّ بالحياد أو الفيدرالية أو اللامركزية الواسعة

حجم الخط

لا استقرار إلاّ بالحياد أو الفيدرالية أو اللامركزية الواسعة
لبنان إلى أين إذا ظل الخلاف على "أي لبنان نريد"؟

عندما كان ديفيد ساترفيلد سفيراً للولايات المتحدة الأميركية في لبنان قال في لقاء مع طلاب مدرسة الحكمة في عين سعادة: "ان المسألة الأهم هي انه ينبغي على اللبنانيين انفسهم ان يتوصلوا الى اجماع حول كيف يريدون بلدهم ان يكون دولة وحكومة ومجتمعاً. فمنذ تأسيس الدولة اللبنانية لم يتوصل اللبنانيون الى اجماع حول ما يريدون لبلدهم، واذا لم يتوصلوا الى ذلك سيظل لبنان يعاني من عدم الاستقرار والنزاعات والاضطراب على الصعيدين الداخلي والخارجي". وتمنى اخيراً ان يتوصل اللبنانيون "الى حل مسائلهم الداخلية على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية".

هذا الكلام قاله السفير الاميركي عام 1999 ولا يزال اللبنانيون حتى الآن مختلفين حول كيف يريدون ان يكون بلدهم دولة وحكومة ومجتمعاً ولم يتوصلوا الى حل مسائلهم على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. الأمر الذي جعل لبنان يعاني من عدم الاستقرار والنزاعات والاضطراب الداخلي والخارجي.

الواقع، ان طرفاً يريد لبنان دولة مقاومة ومواجهة وتصد، وشعبه يؤمن بثقافة الموت او الانتحار اي ان يكون هانوي، وطرف آخر يريد لبنان دولة مساندة وصمود فقط عند وقوع حرب مع اسرائيل وان يحب شعبه العيش الكريم وتكون ثقافته ثقافة الحياة، وملتقى الحضارات، وان يكون هونغ كونغ. وطرف يريد ان يكون دولة الى جانب الدولة او داخلها بحجة مساندتها ودعمها في مواجهة اي خطر خارجي او عدوان اسرائيلي يقع على لبنان، وطرف يريد ان تكون الدولة وحدها حامية الوطن والمواطن بدعم من الشعب على اختلاف اتجاهاته ومشاربه ومذاهبه كي يكون قوة جامعة لها.

وتأكيداً لوجود نظرتين مختلفتين بين اللبنانيين يقول نائب الأمين العام لـ"حزب الله " الشيخ نعيم قاسم بعد توقيعه "مجتمع المقاومة – ارادة الشهادة وصنع الانتصار" في بعلبك قبل عشرة ايام: "ان المقاومة ليست مجموعة مسلحة تريد تحرير قطعة ارض، وليست اداء ظرفياً ينتهي دورها عندما تنتهي الذريعة، بل المقاومة رؤية ومنهج وليست ردة فعل عسكرية فحسب وان بناء مجتمع المقاومة يعطي لبنان قوة ويعزز استقلاله وسيادته بالطريقة التي نريدها لا بالطريقة التي يريدون فرضها علينا" واضاف: "اننا كلبنانيين شركاء داخل الوطن نتفق ونختلف، اما في شأن الاحتلال فلا مهادنة"، واعلن "الاستعداد للمناقشة مع الآخرين كي تكون المقاومة جزءاً من مشروع كل اللبنانيين حول اي لبنان نريد، لبنان السيد الحر المستقل القوي ام لبنان تحت الوصاية؟ وهذا الأمر يترك لطاولة الحوار".

ولم يتأخر الطرف الآخر عن الرد على ذلك فتساءل الرئيس امين الجميل في حديث الى برنامج "كلام الناس": "ماذا سيكون موقف الدولة خصوصاً عندما نسمع من قيادات "حزب الله" شاء من شاء وأبى من أبى ونريد ان ننشئ مجتمعاً مقاوماً وسلاحنا مقدس! أين النواب والوزراء وما هو دورهم، هل لهم حق تقرير مصير البلد، ام أن مصير البلد يقرر بمعزل عنهم. هناك نوع من بنية تحتية عسكرية تركب في الجبل وان سلاح "حزب الله" جعله دولة ضمن الدولة، بل الدولة الاقوى من الدولة الاساسية، وما نسمعه من"حزب الله" هو اكثر من استراتيجيا دفاعية وكأنه يريد ان يقول ان سلاحه باق" واضاف: "لقد آن الاوان للرد على سؤال كان قد طرح الشيخ الراحل بيار الجميل: "اي لبنان نريد" فلنضع المشكلة بكل وضوح وصراحة وشجاعة على طاولة الحوار. نحن نتقاتل على مشروع المجتمع اللبناني وقد تبين ان كل شريحة تريد ان تحافظ على ثقافتها. فعندما يقول الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله ان حزبه هو حزب ولاية الفقيه فهو يميز نفسه عن الآخرين، فلكي نمنع التقسيم والفيدرالية، فاني اطرح اللامركزية الموسعة ليكون التنوع غنى للبنان على ان ننظم هذا التنوع".

وكان رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط قد دعا في حديث تلفزيوني قبل أشهر الى الطلاق الرضائي مع "حزب الله" ما دام هذا الحزب يريد ثقافة الموت وغيره يريد ثقافة الحياة ويرفض ان تفرض عليه ثقافة اخرى وكي يعيش كل طرف في منطقته كما يريد ووفق تقاليده.

وهكذا يتبين ان اللبنانيين مختلفون على كثير من الأمور التي لا توحد فيما بينهم ولا تعمق أسس العيش المشترك. فهم مختلفون على مفهوم السيادة والاستقلال، وعلى مفهوم الحرية والديموقراطية، وعلى السياسة الدفاعية، وعلى اسس العلاقات بين لبنان وسوريا، وعلى وجود السلاح خارج الشرعية وعلى تنفيذ القرارات الدولية ولا سيما القرار 1701 في بنده، المهم الذي يدعو الى بسط سلطة الدولة على كل اراضيها وعلى ان لا تكون سلطة غير سلطتها وسلاح غير سلاحها.

وما دام الخلاف قائماً بين اللبنانيين حول اي "لبنان نريد" فلا احد يعرف الى اين يذهبون به. ففي عام 1943 اتفقوا على ان يكون لبنان سيداً حراً مستقلاً عن الشرق وعن الغرب، فلم تمض سنوات حتى شرّق بعضهم وغرّب بعضهم الآخر. وفي السبعينات اختلفوا على الوجود الفلسطيني المسلح، فكان بعضهم مع هذا الوجود وبعضهم الآخر ضد، فوقعت حرب السنتين التي ولدت حروباً داخلية اججتها مصالح خارجية فاستمرت 15 سنة، ثم عادوا واختلفوا على الوجود العسكري السوري في لبنان فكان بعضهم مع هذا الوجود خدمة لمصالحهم الذاتية، وكان بعضهم الآخر ضد هذا الوجود، والآن يختلفون على وجود سلاح "حزب الله" هل يبقى من أجل التحرير ام يبقى من اجل الدفاع بعد التحرير، واي دولة تحكم عندئذ لبنان، هل الدولة اللبنانية الشرعية ام دولة اخرى غير شرعية داخل هذه الدولة.

"اي لبنان نريد" سؤال مهم يحتاج الجواب عليه الى طاولة حوار والجواب الذي يؤمن الاستقرار السياسي والامني والاقتصادي هو لبنان المحايد او لبنان الفيديرالي او لبنان اللامركزية الواسعة التي تعيش فيه كل شريحة مع ثقافتها الخاصة وحضارتها المميزة، والا فلا لبنان مستقراً وآمناً ثابتاً ودائماً بل يصبح السؤال المطروح كل 10 او 15 سنة "لبنان الى أين"؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل