وماذا عن "حقيبة" السفر؟
ابتكرت الصراعات السياسية اللبنانية المتقلبة منذ الاستقلال الاول الى حقبة ما قبل حرب عام 1975 وإبانها الى الطائف وما تلاه وصولاً الى ما بعد الاستقلال الثاني عام 2005 انماطاً مختلفة من الازمات الحكومية كانت تجسد في الغالب استقواء المؤسسة الطائفية وسطوتها الهائلة على المؤسسة الدستورية. ولذلك قد لا تكون الازمة الحكومية الراهنة تطوراً مستغرباً في سياق هذا الخط البياني للصراعات الموصولة منذ اكثر من عامين حتى لو جاء اتفاق الدوحة لينظم مرحلة ادارة الصراع في الفترة الفاصلة عن الانتخابات النيابية المقبلة، خصوصاً ان هذا الاتفاق حمل في ذاته ضربة قاصمة لجوهر الاصول الديموقراطية والدستورية حين ساوى بين الاكثرية والمعارضة تحت وطأة امر واقع قاهر يملي تسوية مخالفة للدستور والنظام.
غير ان العامل الجديد والخطير الذي بدأت الازمة الحكومية تنتجه وتعممه كنمط طارئ يضاف الى مجموعة سوابق طارئة على النظام الدستوري، يتمثل في تشريع واقعي وقسري لمفهومين غريبين للحقيبة الوزارية بما يفسر هذه الشراسة المتصاعدة للصراع على الحقائب وجعلها عنوان "حسم" مسبق للصراع في توزيع الحقائب كأنه يرسم استباقياً الحسم الموعود في الانتخابات النيابية.
فثمة من جهة مفهوم "ريعي" مكشوف للحقيبة يتردد علناً، وبلا خجل او تردد او مواربة على ألسنة الساسة باعتبار الحقيبة ممراً إلزامياً للكسب او الخسارة، او وسيلة مشروعة لتحسين المواقع السياسية واسترضاء الناخبين بما يوازي حتماً وضمناً تشريع الموقع الوزاري والدستوري للنهب "المنظّم" العام ورشوة الناخب على رؤوس الاشهاد.
وثمة من جهة اخرى مفهوم لاقتسام السلطة بتصنيف هجين للحقائب كأنها اشبه برتب عسكرية تتدرج من اعلى هيكليات "السياديات" الى اسفل هرم "الخدمات" وما بينهما من حقائب "اكسترا" سيادية وخدماتية او حقائب عادية وما اليها من تصنيفات موروثة او طارئة.
ما كان لهذه الظاهرة الوافدة على النظام ان تجمد مفاعيل تسوية الدوحة، على كل علاتها المجافية للنظام الديموقراطي الطبيعي، لو ان هذا الصراع الشرس والمستميت على الحقائب انتظم في اطار التقاسم العددي والنوعي المعقول لها. لكن تمادي الازمة الحكومية المفتوحة بات ينبئ بما هو اخطر من فراغ حكومي وسط تفجر مختلف انواع الازمات الامنية والاجتماعية والاقتصادية الضاغطة لقيام ادارة سياسية بالحد الادنى من معايير تحمل القوى السياسية مسؤولية احتواء هذه الازمات وضبطها.
ذلك انه حين يختصر جمل الصراع بخرم الابرة، وتصبح حقيبة وزارية واحدة سبب الانسداد فيما تتشظى البلاد بالجمر الحارق الذي يطلقه مجموع الازمات المتخبطة فيه حتى العظم، يتعين على الناس والبسطاء ان يكفوا عن تصديق هذه الاسطورة والكذبة العملاقة غير المسبوقة في تاريخ عبقرية الوسط السياسي في ابتكار الفزاعات والالاعيب وغسل الادمغة والفنون الدعائية.
هذه الحقيبة اذا صح انها باتت الفيصل الحاسم وخط التماس الجديد في ولادة حكومة التسوية الموعودة، فمعنى ذلك انها العنوان القاتل لتقسيم دستوري وقانوني وواقعي داخل السلطة مكمل لتقسيم ميداني وفرز تجري آخر حلقاته بالنار والفتنة والفقر والهجرة على الارض. واذا كان من رديف حقيقي لحقيبة وزارية يقال انها تسببت بكل هذا الانسداد فهذا الرديف يحمله اللبنانيون في حقائب الهجرة والسفر واليأس امام انسداد التغيير والاضمحلال التام لمشروع الدولة والافتقاد الدائم للاستقرار وادنى مقومات الصمود الاجتماعي. ولن يبقى اثر لاي حقيبة اخرى سوى حقيبة السفر كمعيار وحيد حاسم في الربيع المقبل اذا قيض للبنان ان يجري انتخابات حرة متحررة من بدع التصنيفات والفرز والتقسيم، لا يعيد فيها انتاج الازمة بل ينتج فعلاً قوى تغيير تنقذه من ان يبقى ارض فتن وهجرة تحت وطأة قوى مستأثرة بفن تذويب أعمار الناس.