يواجهُ "ثورة مضادة" على "اتفاق الدوحة" بتأكيد مرجعية الاتفاق وبالتمسّك بمشروع الدولة
سليمان عصيٌّ على الاستيعاب من جانب "المعارضة"
إنّ ما شهده لبنان من أحداث بعد "إتفاق الدوحة"، لا سيما ما سمّي "الفتن المتنقلة" بين المناطق من ناحية وتأخير ـ أو تعطيل ـ تشكيل الحكومة من ناحية ثانية، يكشفُ في حقيقة الأمر عن مسألتين. الأولى انّ "المعارضة" أي "حزب الله" بواجهة عونية كانت في صدد "ثورة مضادة" على "إتفاق الدوحة". والثانية في السياق نفسه هي إستنزاف رئيس الجمهورية ميشال سليمان من ضمن إستهدافات "الثورة المضادة".
"الثورة المضادة" على "اتفاق الدوحة"
وأن تلجأ "المعارضة" إلى "ثورة مضادة"، فمعنى ذلك انّ "مشروعها" كان أكبر من المعادلات التي أرساها "إتفاق الدوحة"، فأقدمت على "الثورة المضادة" بهدف "توسيع" تلك المعادلات. غير أنّ ثمّة من يعتقد أنّ "المعارضة" ـ أي "حزب الله" تحديداً ـ تعتبر انّه يلزمها بعض الوقت كي تقتنع بانّ "سعتها" أقلّ ممّا هو ملحوظ لها في "إتفاق الدوحة"، أو يلزمها بعض الوقت كي تقتنع بضرورة "تخفيف" حجمها بنفسها لتصبح قادرةً على الدخول في "الخانة" المحدّدة لها بموجب الإتفاق.
على انّه إذا كان لزمها بعض الوقت أو لا يزال يلزمُها كي تندرج في التشكيلة الحكومية العتيدة، فإنّ إستنزاف رئيس الجمهورية بأحد هدفين إمّا "تحييده" وإمّا "إستمالته"، إنما هو رهان خاسر.
سليمان وخيارات الدولة
أتى العماد سليمان إلى رئاسة الجمهورية بـ"ممّر توافقي" لبناني، لكنه أتى بتوافق ـ أو تفاهم ـ عربي ودولي غير مسبوق. لكنّ الأهم انه أتى من موقع أساسي في الدولة هو قيادة الجيش. لا هو أتى من موقع تمثيل طائفي معيّن ولا من موقع مناطقي، بل من موقع الدولة ومشروع الدولة.
ويعرفُ الرئيس سليمان هذه الحقيقة. حقيقة انّ خياراته هي خيارات الدولة. وقد عكس هذه الخيارات في خطاب القسم رافعاً لواء الدولة.. المدنية. ولأنّه يعي هذه الحقيقة، يعرف سليمان انّه لا يستطيع أن يكون رئيساً للجمهورية بدون هذه الخيارات، وانّه قويّ بل الأقوى "بسبب" تلك الخيارات.
ويعرف ـ بلا شكّ ـ أيضاً انّ الدعم العربي ـ الدولي الذي حظي ويحظى به، فضلاً عن دعم أكثرية اللبنانيين له، إنّما هو دعم لخياراته في إطار مشروع الدولة، لأنّ الموقف العربي والدولي يوائم بين إستقرار لبنان وقيام الدولة فيه من جهة وبين إستقرار لبنان وإستقرار المنطقة من جهة أخرى.
تجربة فؤاد شهاب نموذجاً
وفي جانب آخر من الموضوع، يتذكّر المخضرمون تجربةً قديمة لـ"ثورة مضادة" حصلت في العام 1958 مع بداية عهد الرئيس الراحل فؤاد شهاب.
الرئيس شهاب هو أيضاً أتى إلى الرئاسة من موقع الدولة بعد حرب أهلية "قصيرة". وأتى بتفاهم عربي ـ غربي وبما يشبهُ التوافق اللبناني آنذاك أي بشبه إجماع وطني. وبعد إنتخابه مباشرةً شكّل حكومة العهد التي سرعان ما واجهت ما سمّي يومها "ثورة مضادة" قادها حزب "الكتائب" مطالباً من موقعه كحليف ـ سابق ـ للرئيس الراحل كميل شمعون بتمثيل هذا "الجناح المسيحي" في الحكم.
إستطاع الرئيس شهاب ـ ومعه رئيس حكومته الرئيس الراحل رشيد كرامي ـ إستيعاب "الكتائب" وثورته المضادة لأنّ المطلب كان المشاركة وبلا شروط، ولأن إشراك "الكتائب" يومئذٍ لم يكن على حساب معادلات العهد الشهابي ومشروع الدولة.
"المشاركة" قابلة للإستيعاب لكن ضرب الدولة لا
ما هي الإستنتاجات ممّا تقدّم، لا سيّما على صعيد "المقارنة" بين الرئيس سليمان وعهد الرئيس شهاب؟.
ثمّة إستنتاجٌ أول هو انّ مطلب المشاركة مقدورٌ عليه وقابل لـ"الإستيعاب"، لكن إحباط مشروع الدولة غير مقبول… وغير وارد "التعامل" معه.
وإستنتاجٌ ثانٍ هو انّ عمر "الثورة المضادة" قصير، وعلى من يقومون بها إحتساب التوازنات بدقّة وأن يحسنوا "البرمَة" في التوقيت المناسب وسريعاً.
إستحالة إستمالة سليمان
وإستنتاجٌ ثالث هو الأهم على الإطلاق، وهو إستحالة إستمالة رئيس الجمهورية إلى مشروع مناقض للدولة ومؤسساتها، خاصةً عندما يكون الرئيس حاملاً لمشروع الدولة هو نفسُه وعندما يكون حاملاً لمشروع حياد لبنان عن صراع المحاور الإقليمية، وبتفاهم مع النظام العربي بمحصّلته ومع المجتمع الدولي بمحصّلته.
صحيحٌ انّ الرئيس سليمان أكد مراراً انّه على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية ومن جميع قوى التمثيل السياسي للطوائف. بيد انّه ليس على حياد في ما يتعلق بقيامة الدولة. ولا يمكن لـ"حزب الله" والحالة هذه أن يأتي بسليمان إلى "صفّه".
إنّ أقصى ما قدّمه ميشال سليمان، أي أقصى ما هو مستعدّ لـ"التعامل" معه هو مشروع "الإستراتيجية الدفاعية". وبكلامٍ آخر، أعلن رئيس الجمهورية انّه حازم في "الهدف" المتمثّل بالدولة وسيادتها لا سيّما العسكرية والأمنية، في مقابل إستعداده للمرونة في المراحل المؤدية إلى هذا الهدف.
بين الأداء "الديبلوماسي" والصلابة
لذلك، يُفترض ألاّ يرى أحدٌ في الأداء "الديبلوماسي" للرئيس، مهادنةً منه حيال "مشروع" تعطيل قيام الدولة. فهو بالتأكيد عصيّ على الإستيعاب. ويختار بدقّة "طريقة" إنهاء كلّ تلك الإشكاليات. ولا يمكن أن يكون حليفاً لهكذا مشروع وقد أكد مراراً انّه لن يكون معبراً إلى إسقاط الدولة.
وعلى أيّ حال، فانّ كلامه أول من أمس، إذ إعتبر انّ من يعوّق تشكيل الحكومة يرتكب خطأ بحقّ لبنان، وعندما شدّد على وجوب إنعقاد طاولة الحوار، إنّما يعلن نفاد صبره حيال التأخير ـ "الذي لا أريد أن أسمّيه تعطيلاً" كما قال ـ ويوجّه إنذاراً بإنهاء "الثورة المضادة". وكان كلامُه مناسبةً لتأكيد التزامه بمرجعية "إتفاق الدوحة" الذي هو نفسه بمرجعية إتفاق الطائف.
خلاصةُ القول إذاً انّ الرئيس ليس فقط "صامداً" في وجه محاولات إستنزافه، بل هو في صميم مواجهة ـ على طريقته ـ مع "الثورة المضادة" ويتوقُ إلى إنطلاقة مرحلة جديدة عنوانها الدولة.
وهذا ما لا بدّ أن تحسب "المعارضة" له كلّ الحساب.