"قطبة" الحكومة المخفية: "قاعدة ضمانات" لسلاح "حزب الله"
كشفت الأسابيع الماضية، وبما لا يدع مجالا للشك، أن العقدة الأهم في تشكيل الحكومة، بل الأهم من تشكيلها في عرف أصحاب الشروط، توفير قاعدة ضمانات واسعة لسلاح "حزب الله" الآن والى أمد غير منظور أيا كانت الأثمان التي يدفعها لبنان، سياسيا وأمنيا واقتصاديا واجتماعيا، على مذبح هذا الأمر.. بل وأيا كانت الاحتمالات التي تستجرها عراقيل التشكيل، وحتى بقاء البلد من دون حكومة، على لبنان من جهة وعلى المنطقة من جهة ثانية.
وكما بدا واضحا، فلم تكن الضجة التي أثيرت حول حقيبة وزارة الدفاع تتعلق بوضع "فيتو" على الوزير الياس المر، من دون التقليل من أهمية ذلك، بل تتعلق بالوزارة ذاتها لجهة الرغبة الصريحة بوضع يد الحزب ـ أو حليفه العماد ميشال عون ـ عليها للغاية الآنفة الذكر. كذلك هو الحال بالنسبة لحقيبة الداخلية، برغم عدم وضع "فيتو" معلن بشأن من يتولاها، لما لها من صلة مباشرة بالأمن في البلد.. وتاليا، بالأمن الخاص بسلاح "حزب الله". ولعل اعلان مسؤول العلاقات الدولية في الحزب السيد نواف الموسوي أن الحزب سيكون معنيا بتحديد من هو "الوطني" ومن هو "غير الوطني" لتولي مهمات قيادية في الأجهزة العسكرية والأمنية الرسمية، انما يعري بعض المستور من الكلام على وزارتي الدفاع والداخلية.
ونظريا، فكل ما عدا ذلك من كلام على الحقائب السيادية، وعلى حاجة "التيار الوطني الحر" لتولي احداها بذريعة عدد نواب كتلته، لم يكن الا تغطية متعمدة للهدف المشار اليه. يستوي في ذلك، وبخاصة في تجاهل بنود "اتفاق الدوحة" الذي أعطى المعارضة كلها 11 حقيبة وزارية من أصل 30، طرفا المعارضة الآخران، "حزب الله" وحركة "أمل"، لوقوفهما الى جانب "التيار الوطني الحر" في مطالبته بوزارة الدفاع، وتهديدهما بعدم المشاركة اذا رفض طلبه.. ولو كان ذلك على حساب حصة رئيس الجمهورية في الحكومة بحسب نص "اتفاق الدوحة" المشار اليه.
ونظريا كذلك، فلا يخرج الكلام على "حقوق المسيحيين" في الحكومة وفي حقائبها السيادية، أو على "الزعامة" المطوّبة للعماد عون وتكتله النيابي على هذه الطائفة، أو حتى التمييز في التمثيل الشعبي للمسيحيين، وتاليا في الحكومة، بين "رئيس الطائفة" (العماد ميشال سليمان) و "زعيم الطائفة" (العماد ميشال عون)، عن الهدف المضمر إيّاه.
أما عمليا، فلم تكن التفجيرات المسلحة المتنقلة بين سعدنايل وتعلبايا وطرابلس، ولا التحركات العسكرية الميدانية في مرتفعات جزين وصنين وعيون السيمان بدورها، بعيدة عما كان يجري في كواليس "المماحكات" السياسية تحت عنوان توليد (أو إجهاض؟!) أول حكومة في عهد الرئيس ميشال سليمان. وعمليا كذلك، ففي اللحظة التي كانت تتراجع فيها الأعمال الحربية وتهدأ أصوات القذائف هنا أو هناك، كان اعلام المعارضة يردد أنباء عن تسليح واستعدادات في مناطق أخرى. الأدوات مختلفة، الا أن الهدف واحد هو: حكومة "غبّ الطلب" السياسي والأمني المحدد مسبقا لبقاء السلاح الى ما شاء الله.. والا فلا حكومة ولا من يحكمون!.
فأية حكومة هي الحكومة التي تعد بها المعارضة لبنان واللبنانيين، أو تعمل على تشكيلها فعلا، في ظل هذا المعطى النظري والعملي على الأرض؟!.
ليس مهما هنا من يكون الوزراء في الحكومة، ولا انتماءاتهم وارتباطاتهم السياسية والحزبية، ولا حتى نوعية الحقائب التي يتولونها، ما دامت عملية المحاصصة قد أخذت مثل هذا المنحى من "النيات المبيتة" في تشكيل الحكومة، وطبعا في العمل داخل مجلس الوزراء لاحقا. ذلك أن "المشكلة قائمة"، كما يقال في الأمثال الشعبية، وهي ستنفجر في أي يوم طال زمن حلول هذا اليوم أو قصر.
ولقد كشفت الأسابيع الماضية بدورها، ومن دون أي لبس كذلك، طبيعة هذه "المشكلة". فلم يعد سلاح "حزب الله" من أجل تحرير الأرض واستعادة الأسرى والاستحصال على خرائط الألغام، كما كانت اللافتة في السابق. ولم يعد حتى "السلاح دفاعا عن السلاح"، كما باتت اللافتة عشية الغزو المسلح لبيروت والجبل والشمال مطلع أيار الماضي، بل تحوّل في خلال هذه الفترة الى "السلاح من أجل السلاح" فقط لا غير.
هل قال نائب الأمين العام لـ "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم، ومسؤول علاقاته الدولية، خلاف ذلك عندما تحدثا عن احتمال (مجرد احتمال) جلاء القوات الاسرائيلية عن مزارع شبعا ووضعها في عهدة قوات "اليونيفيل"، أو عندما حاولا تحديد دور لهذا السلاح بعد عملية تبادل الأسرى الجارية على قدم وساق الآن بين الحزب واسرائيل؟!. بل هل قال الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله نفسه خلاف ذلك عندما رد على خطاب قسم الرئيس سليمان أمام مجلس النواب ووضع له، ولعهده وقواته المسلحة وحكوماته على تعددها، خطوطا حمرا لكيفية التعامل مع سلاح الحزب؟!.
***
يبدو واضحا، على خلفية معطيات العملية التي رافقت تشكيل الحكومة وقبلها استباحة بيروت وبعض مناطق الجبل والشمال بالسلاح، أن "حزب الله" لم يعد في وارد الاكتفاء بكل ما قاله اللبنانيون في السابق، وما يقولونه الآن وعبر عنه الرئيس فؤاد السنيورة قبل أيام، عن تسوية مشكلة سلاح "حزب الله" بالحوار ومن خلال الاتفاق على استراتيجية دفاعية شاملة للبنان. وأن الحزب يعمل، تماما كما كان الحال ابان استقالة الوزراء واقامة مخيم الاعتصام في ساحة رياض الصلح، على فرض حله الخاص لهذه المشكلة.. باستخدام السلاح من جهة، وباستثمار قواه الشعبية والسياسية والنيابية وتحالفاته مع أطراف المعارضة الأخرى من جهة ثانية.
واذا كان الحزب قد فشل عمليا في تحقيق رغباته في "اتفاق الدوحة"، فجاء هذا الاتفاق خلوا من أية اشارة ولو خجولة الى "المقاومة" فضلا عن سلاحها بل تحدث عن "منظمات" وعن الحاجة الى "تنظيم علاقاتها بالدولة"، فمما لا ريب فيه أنه سيعمل جاهدا (والبداية تمثلت في شروطه لتشكيل الحكومة) على توظيف ما اعتبره "جائزة" استباحة بيروت والجبل (الثلث المعطل) لتحقيق ما لم يكن ممكنا تحقيقه في الدوحة.
"المشكلة قائمة"، بحكومة وحدة وطنية متفق عليها أو من دون حكومة على الاطلاق.
و"سلاح حزب الله باق.. باق"، بمقاومة لتحرير الأرض واستعادة الأسرى وخرائط الألغام أو من دون الحاجة الى مثل هذه المقاومة لانتفاء وجود أرض محتلة وأسرى في سجون العدو وخرائط ألغام.
.. وكفى الله اللبنانيين، المؤمنين بوطن وشعب ودولة، شر العمل من أجل إقامة وطن موحد ودولة واحدة وشعب واحد!!.