#adsense

حزب الله والتموضع ضمن الطائفة

حجم الخط

"حزب الله" والتموضع ضمن الطائفة

"إذا الشمس غرقت ببحر الغمام
ومدّت علينا الدنيا موجة ظلام
ومات البصر في العيون والبصاير
وغاب الطريق بالخطوط والدواير
يا ساير يا داير يابو المفهومية
ما فيش لك دليل غير عيون الكلام"
احمد فؤاد نجم

حاول "حزب الله" منذ البدايات الأولى لإنشائه، أن يظهر بصورة محببة ونقية تجاه جمهوره الذي عانى الأمرّين من وجود التنظيمات المسلحة الاخرى ورعونة أفرادها وفسادهم. لذلك فقد كان أفراده الأساسيون يتمتعون بثقافة عقائدية متميزة، وتصرفات ملتزمة بقواعد الدين الذي شكل المنطق الأساسي لطروحاته السياسية. وقد ساعد النهج الجهادي والأداء المميز والنجاح الميداني في إضفاء صدقية اقتربت من موقع القداسة لدى الكثيرين من المواطنين حتى خارج إطار الطائفة الشيعية.

ولكن الأهم في انتشار قواعد الحزب كان الشبكة الواسعة من المؤسسات الاجتماعية والأهلية والدينية التي أنشأها الحزب، أو التي ارتبط بها وكان ميلاده تتويجاً لعمل بعضها. وقد كانت هذه المؤسسات صلة الوصل المستمرة مع ما يُسمى الآن "بجمهور المقاومة"، الرأسمال الأهم الذي استثمره الحزب في مشروعه السياسي حتى تمكن من الوصول إلى موقع الصدارة بين القوى السياسية المختلفة في لبنان.

وقد سهّل لـ"حزب الله" عملية البناء السياسي لكوادره، اعتماده على الفكر الديني، لذلك، فإن بناء الكادر "السياسي" كان يتم من خلال الحوزات العلمية المنتشرة في مواطن الانتشار الشيعي (واحدة في بعلبك، اثنتان في الجنوب، وواحدة في الضاحية الجنوبية لبيروت). وقد تم التعاون الوثيق مع "هيئة علماء جبل عامل" و"تجمع العلماء المسلمين بالبقاع" بالاضافة إلى عدد كبير من العلماء الذين أصبحوا عملياً ضمن التركيبة الحزبية. وقد سيطر الحزب عملياً على معظم المساجد الكبرى والحسينيات. وقد الحق بهذه المراكز لجاناً متعددة من نسائية ورياضية وكشفية وصحية وثقافية وعسكرية.
وقد أسس الحزب جملة من المؤسسات الاجتماعية لدعم مناصريه ومحيطه الشعبي المباشر، توزعت بين الصحي والاجتماعي والكشفي والرياضي إلى مؤسسات رعاية عوائل الشهداء وتأطيرها في الكوادر الحزبية وايجاد وسائل الرزق لها، كما أن هذه المؤسسات أصبحت تشكل أحد وسائل انتشار "حزب الله" العقائدي ووسيلة للمراقبة والرصد الدقيق لحركة الناس وتوجهاتها.

وفي المجال الإعلامي، فقد دعّم الحزب مواقفه السياسية وحركته العسكرية وتوجهاته الدينية بشبكة اذاعية وتلفزيونية موجهة بشكل كامل، بالإضافة إلى مجموعة من الصحف "الصديقة" التي ساهمت بشكل كبير في بناء الهالة المميزة لـ"حزب الله".

اما الموضوع الرئيسي الذي تموضعت حوله الأدبيات غير الرسمية للحزب داخل الطائفة فهو موقع "الشهادة"، والذي أعطي موقع الصدارة بين كل "الوظائف" والصفات الاخرى. وقد اعتمد التوجيه الحزبي على الآيات القرآنية المتصلة بهذا الموضوع اضافة إلى الخصوصية الشيعية في أن الشهادة هي محور ما سمّي بالكربلائية وهي الموروث الديني والاجتماعي المشترك بين الشيعة.

لذلك فإن أهم مؤسسات الحزب هي مؤسسة الشهيد (إلى جانب مؤسسة جهاد البناء) ترتكز على جعل الشهادة مبدأ محبباً، لا بل مرغوباً لدرجة التمنّي، بين أوساط جمهور الحزب، لما تستتبعه من مكاسب دينية ودنيوية لا مجال للبحث فيها في هذا المقال بشكل مفصل.

اما التجربة البرلمانية، والتي خاضها الحزب بناء على فتوى واضحة من الولي الفقيه، فقد جاءت مراعية لتوازنات الطائفة الشيعية السياسية، ولم تستفز في أي حال من الأحوال الشرائح اللبنانية الاخرى، من خلال طرح خطاب سياسي متوازن، وممارسة برلمانية، كانت ولا تزال، محط إعجاب وحسد من قبل القوى السياسية الاخرى.

الانكفاء إلى داخل الطائفة

على الرغم من السمعة والشعبية المميزة التي كسبها "حزب الله" خارج نطاقه الطائفي وخارج حدود لبنان، فإن المفارقة أتت في تركيزه مؤخراً على استخدام تعابير مثل "جمهور حزب الله" للتعبير الملطف عن الطائفة الشيعية، وهذا ما لم يكن شائعاً قبل حرب "الوعد الصادق". كما أن التركيز على زمن الحرمان في الجنوب والبقاع والهرمل والضاحية الجنوبية عاد ليحتل صدارة الحوارات السياسية لمسؤولي الحزب. وقد أتى ذلك على خلفية استشعاره بالحاجة إلى التمترس داخل الطائفة من خلال ربط مستقبل ورفاه هذه الطائفة بمشروع الحزب وضمان استمراره من خلال الافضلية التي يمنحها له تفرده بحمل السلاح. مع العلم أن وجود "حزب الله" قد أمّن من خلال المؤسسات الرديفة فوائد وقيماً مادية مضافة شكلت سنداً كبيراً لهذا "الجمهور"، مما يعني أن فقدان مشروع الحزب اندفاعه سيؤدي عملياً إلى خسارة هذه القيم المضافة.

لقد تبين من خلال استطلاعات متفرقة في الجنوب خلال فترة ما بعد حرب تموز 2006 بأن معظم الجنوبيين يعتبرون قيام "حزب الله" بأي عمل ضد إسرائيل في المستقبل القريب سوف يؤدي إلى كارثة جديدة قد تكون أكثر تدميراً على الأهالي من الحرب السابقة، ومع ذلك فقد كان تأييد هذا الحزب واضحاً على أساس انه هو من يحمي الطائفة الشيعية ومكتسباتها من الاستهداف في المستقبل. ولكن ما حدث بعد اغتيال عماد مغنية وتصريحات حسن نصرالله حول الحرب المفتوحة ضد إسرائيل أدى إلى موجة من التساؤلات لدى الكثيرين من أبناء الطائفة حول جدوى أن يعودوا ليكونوا ضحايا أي حرب قادمة، وقد تمت ترجمة هذه التساؤلات إلى موجة عارمة من محاولات الاستحصال على جوازات سفر أو مساكن خارج منطقة الجنوب. لقد أدى ذلك إلى دق ناقوس الخطر عند الحزب لمحاولة شدّ عصب الطائفة وإعادة إشعارها بالحاجة للاصطفاف وراء الحزب لمواجهة التهديدات.

الغزوة لشدّ عصب الشيعة باستهداف السنّة

لا يمكن لأي مراقب أن يعتقد بأن "حزب الله" لم يقصد خلال غزوته الأخيرة استثارة عواطف السنة في لبنان من خلال ما حدث، فعلى العكس فإنه كان يقصد استدراج ردات فعل من النوع المذهبي ليعيد خلق عدو مشترك قديم جديد قد يكون البديل عن العدو الإسرائيلي، بشكل يعيد شد عصب الطائفة الشيعية من جديد ويجعلها تنقاد بشكل آلي تحت راية الحزب الإلهي من دون نقاش أو مساءلة.

لا شك أن "حزب الله" حاول تجنّب هذا النوع من التصرفات في السابق على أساس انه يحمل مشروعاً إسلامياً جامعاً وعابراً للمذاهب، ولكنه بعد التجربة تأكد بأن تحقيق أهدافه الحقيقية بمد سلطة الولي الفقيه قد يحتاج إلى تجاوز المحاذير من وقت لآخر، وهذا ما يسميه متحدثو "حزب الله" العمليات الموضعية أو المحدودة أو الجراحية! ولا يبدو اليوم بعد تصريحات شاكر العبسي الاخيرة التي يهاجم فيها "حزب الله" أن هذا الحزب منزعج منها لانها تصب في نفس خانة تصليب اللحمة الشيعية ومن يدري فقد تكون هذه التصريحات منسقة ومدفوعة من مخابراته!

إن "حزب الله"، مثله مثل كل الاحزاب الشمولية العقائدية التي مرت في التاريخ، لا يتورع عن خوض غمار المغامرة لتحقيق مشروعه والحقائق التاريخية تؤكد ان نهاية هذه المشاريع تأتي دائماً بكارثة انسانية كبرى، فهل تتمكن الطائفة الشيعية من تجنيب لبنان هذه الكارثة؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل