لبنان ..أزمة متجددة
رغم حالة التفاؤل التي سادت بعض الوقت، عقب اتفاق الدوحة، الذي أسفر عن حل جزء من الأزمة اللبنانية المتوالية فصولاً. فإن العارفين بأسرار اللعبة، كانوا يدركون أن الازمة انتقلت إلى مرحلة جديدة، كان واضحاً أن أبطالها هم المتضررون من انتخاب العماد ميشال سليمان، رئيساً للجمهورية، رغم إطلاق صفة المرشح التوافقي على فخامته، وهكذا انتقل الفراغ الدستوري من قصر بعبدا، إلى سراي الحكومة الكبير، وكأنه كان مكتوباً على وطن الأرز، الانتقال من فراغ إلى آخر، حتى يرضى جميع الطامحين، على استحالة ذلك .
بمجرد إجماع الاكثرية النيابية على ترشيح الرئيس السنيورة، برزت بعض الاعتراضات على استحياء، لكن ذلك كان دليلاً على أن البعض سيفعل المستحيل لعرقلة تحرك عربة تشكيل الحكومة، ولو متراً واحداً إلى الأمام، وسيرتكب أي فعل، لمنع إعلانها، وهكذا تنقلت الاشتباكات المسلحة ما بين المناطق اللبنانية من الجبل إلى طرابلس، بعد أن استنفدت أغراضها في عدد من أحياء بيروت، وكلما اعتقدنا أننا على وشك رؤية الدخان الأبيض يتصاعد من مداخن سراي الحكومة، كانت المعارضة تطرح شروطاً جديدة، سواء من حزب الله الذي يعتبر سلاحه مقدساً وإلهياً بعد نواله مباركة الولي الفقيه، أو من قبل الجنرال عون الذي يتحسر على ما كان يعتبره فرصته الأخيرة للعودة إلى قصر بعبدا، الذي تنعم بسكناه نتيجة انقلاب عسكري في غير أوانه، حملت نتائجه الجنرال الطامح إلى منفاه الباريسي لعدة سنوات .
في انتظار حصول طارئ يفتح كوّة في الجدار… هذا هو حال اللبنانيين منذ أودت جريمة منظمة بحياة الشهيد رفيق الحريري، مفتتحة سلسلة من الجرائم التي طالت عدداً من أبرز العاملين في الحقل الوطني، وأصحاب الرأي من الصحفيين، وفيما يشبه التطبيق العملي لمقولة كاد المريب أن يقول خذوني، كانت مطالب المعارضة أن يضيع دم الضحايا بين القبائل، في حين أصرت الاكثرية النيابية على اللجوء إلى القضاء، باعتباره المنزه عن الغرض السياسي، خاصة حين يكون دولياً ومحايداً، ولم تكن هذه المواقف المتباينة بين المعارضة والموالاة، بعيدة عن التأثيرات الخارجية، فقد استند كل من الفريقين إلى مجموعة من الحلفاء، كان حضورهم بارزاً في مؤتمر الدوحة، وكانوا هم المفاوضين الفعليين على مصالحة الفرقاء اللبنانيين، ولأن مصالحهم كانت تتقدم على مصالح حلفائهم، فإن مصالحة الدوحة لم تتمكن من إنجاز كل الملفات فاكتفت بانتخاب رئيس الجمهورية . والسؤال الآن هل تم ذلك كله على أمل أن يسفر عن حلحلة باقي المسائل، أو على أمل أن تظل تلك الملفات عصيةً على الحلول حتى تتحقق مصالح الاطراف الاقليمية والدولية على حساب الدم اللبناني .
على طريقة الذي لايريد تزويج ابنته فيبالغ في مهرها، يواصل الجنرال عون الذي بات واضحاً أنه غير راغب في مشاركة كتلته في حكومة السنيوره، رفع سقف مطالبه للتملص من المشاركه لأنه يرى أن مشاركته لن تكسبه شيئاً عملياً في الانتخابات النيابية، ويعتقد أنه إذا خاض معركة الانتخابات وهو في صفوف المعارضة فانه سيكسب عطفاً شعبياً على غرار الإنتخابات السابقة، وبحيث يظهر الآن في موقع المستبعَد والمحارَب والمحاصَر من تحالف جديد، يحاول الايحاء أن بعض الحلفاء السابقين يسعون لعقده مع مناوئيه، وهذا ما يدفع بعض عناصر المعارضة لإعلان استعدادها للتنازل عن شيئ من حصتها الوزارية لارضاء الجنرال مقابل وقوفه معها في تطبيق شعارها أن أمن المقاومة فوق كل اعتبار في مواجهة شعار الاكثرية القائل إن أمن المجتمع اللبناني فوق كل اعتبار وهو بالتاكيد مسؤولية الدولة وقواها الشرعية دون سواها والتي يحتم عليها الواجب احتكار استخدام السلاح والعمل على نزعه من كافة المليشيات بغض النظر عن المبررات المعلنة لحيازته .