#dfp #adsense

البرزخ اللبناني

حجم الخط

البرزخ اللبناني

يتفنن العماد النائب في استنباط الشروط، ويبدع في تبرير ما يزعم انه حق له من حقائب، خصوصا بعدما اجتهد في تطوير قدرته على قلب الحقائق، وتفوق على اساتذته في هذا "الفن" من شركائه في وثيقة مار مخايل الشهيرة، حتى صار قلع عين الحقيقة اسهل عليه من شرب الماء، وانقلابه اليوم على ما طلبه بالامس اهون عليه من التقلب في فراشه.

شريكاه لا يريدان شيئا لهما اكثر مما هو مطروح. هذا ما يوحيان. لكنهما لا يتخليان عن دعمه ظالما او مظلوما. ولاستكمال لمسة البراءة على موقفهما لا يترددان في تسريب الكلام على تبرمهما من "تماديه". وهكذا يمر الشهر، أو يكاد، على تكليف الرئيس فؤاد السنيورة تشكيل الحكومة الجديدة، وهو يحاول استرضاء نزوات الجنرال السياسية، وإسكات حرده، وتجريده من عقدة المظلومية التي انتقلت بالعدوى اليه من مفاهيم الولي الفقيه.

عمليا، اوقفت شروط العماد اتفاق الدوحة عند انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية العليلة. واذا اعتمدنا التضامن السياسي بينه وبين حليفيه اللذين لا يرضيان الا بما يرضيه – حسب ما يعلنان – فان القول بان المعارضة لا تريد سوى ذلك لا يجافي الحقيقة، بدليل انه لم يقبل باتفاق الدوحة الا حين ابلغاه في العاصمة القطرية في الليلة المشهودة ان عليه ان يقبل فقبل.

لكن لماذا قبلا، فقبل يومها، ولا يقبلان اليوم، فيقبل، باي تشكيلة تناسبهما، ويفترض ان تناسبه وتخرج البلاد من ارجوحة الحقائب الوزارية ومشاريع الحروب الطائفية؟

لان القبول كان ينسجم، يومها، مع "نسيم" تهدئة اقليمية امتدت من غزة الى العراق فبيروت، واثمرت تقاربا فرنسيا – سوريا، وامتداحا ايرانيا لحزمة الاقتراحات الاوروبية بخصوص الملف النووي. وبمنطق بائع السجاد الدمشقي وصانعه (أي السجاد) الايراني، فان "الهدايا" المتبادلة كانت متناسبة في الوقت و"الحجم"، ومفعولها لا يمتد الى ابعد مما بلغ بانتخاب رئيس الجمهورية التوافقي (!). وبهذا الانتخاب حققت المعارضة مكاسب عدة منها وقف اتهامها بابقاء سدة الرئاسة شاغرة، وابعاد رئيس الوزراء فؤاد السنيورة ومعه مجلس الوزراء عن موقع رأس الدولة وبالتالي عن ادارة شؤونها واتخاذ القرارات. والى ذلك تحويل الحكومة حكومة تصريف اعمال بما لا يتيح لها وللعهد اتخاذ اي قرارات تغييرية، وبما يسمح في الوقت نفسه بعودة الوزراء المستقيلين الى مكاتبهم من دون ان يؤخذ عليهم تراجعهم عن الاستقالة. وبتعبير ادق، وضع البلاد في برزخ بين التوتر والاستقرار في انتظار "ثمن" تريده دمشق وطهران، وان يكن دور الاولى بات اكثر ثانوية، في تحريك الوضع اللبناني، منذ اغتيال عماد مغنية على اراضيها: سوريا تريد صلحا مع الاعتدال العربي الذي تمثله الرياض والقاهرة، وتنتظر ما ستحصله زيارة بشار الاسد الى باريس. وطهران تريد عونا من الرياض على ثورة "جند الله" في بلوشستان، وضغطا من دول مجلس التعاون ضد حرب اميركية عليها لا يزال الخوف منها قائما على رغم كل تفاؤل ايراني وادعاء قوة.

الى ذلك، يسمح تأخير ولادة الحكومة بتأخير الانتقال الى طاولة الحوار برعاية الرئيس ميشال سليمان، والبند الاساس في مناقشتها المنتظرة هو سلاح "حزب الله" الذي لا يكفي قول اربابه انه خارج المناقشة كي ينحّى من البحث، الا اذا كانوا يُزمعون اشهار انقلابهم على الوفاق الوطني – الذي يمارسونه حاليا بنعومة – وهو أمر ابعد من قدرتهم وقدرة داعمهم الاقليمي.

يزيد من جدية هذا التقدير السياسي ان الدور الاقليمي لهذا السلاح بعد القرار 1701، صار أوزن من دوره الوطني الذي بات يصح القول انه سابق وليس راهنا. ولعل اشارة رئيس الحرس الثوري الايراني قبل يومين الى رد من جنوب لبنان على استهداف المنشآت النووية الايرانية، يؤكد ذلك، وهو الكلام الاصرح في هذا المجال وان لم يكن الاول من نوعه. وتكمن اهميته الاضافية في جدية مخاوف طهران هذه المرة والتي كشفتها اشارة المصدر نفسها، وخلافا لكل التصريحات الايرانية السابقة، الى نية نظام الملالي استخدام النفط سلاحا واغلاق مضيق هرمز اذا ما هوجمت الجمهورية الاسلامية. واذا كان توقع الحرب على الطموحات النووية الايرانية يعادل، في فرصها، توقع اللاحرب، فان تصريح رئيس الحرس الثوري يؤشر الى تقدم الثاني في المخاوف الايرانية.

والى ان تحسم هذه المخاوف الايرانية، سيظل "حزب الله" حريصا على ابعاد سلاحه عن المناقشة، باللين او بالعنف. ولأن الصورة لن تنجلي قبل اشهر، لن يستعجل ولادة الحكومة، وسيظل يتلطى خلف النائب العماد، والعماد في فرح. فهو مجددا مالئ الدنيا وشاغل العباد، ولو على حساب البلاد.

المصدر:
النهار

خبر عاجل