التطلّب والتقلّب… والتصلّب!
وفقاً للمنطق والضرورات الوطنية، صحيح "ليس هناك من سبب يبرر عدم تأليف الحكومة"، كما قال الرئيس ميشال سليمان لأعضاء السلك القنصلي يوم السبت الماضي.
ولكن من اين يأتي المنطق؟ وما معنى الوطن والضرورات الوطنية عندما يصبح تشكيل هذه الحكومة رهنا بسلسلة متدرجة من مواقف التعجيز التي انتقلت من "المطالب" الى "التطلّب" كما يقول الرئيس فؤاد السنيورة، ثم "التقلّب" ودائما "التصلّب".
وكل هذا على اساس اقتناع "المتطلبين" بانهم يمثلون كل شيء في هذا البلد المتعوس، وعلى الاقل يمثلون المسيحيين فيه الذين يجب وضعهم على الصليب لعل بيلاطس يرضى ويفك أسر الجمهورية؟
❒ ❒ ❒
لقد كان مثيرا لا بل مفيدا ان يستعير سليمان كلام الرئيس جون كينيدي في خطاب القسم عندما خاطب الاميركيين بالقول: "لا تسأل ماذا سيعطيك الوطن بل ماذا ستعطي انت الوطن". ووجهُ الإفادة هنا ان اللبنانيين تذكروا بالتأكيد ان لهذا الكلام الرائع وقعه في الاوطان. ولكننا ويا لمرارة السخرية في مزرعة. ولسنا اكثر من مجموعة من القبائل المتناحرة الضاربة في الجاهلية العمياء، وليس هناك من داعٍ لسرد الوقائع المخجلة التي تثبت هذا العار!
وعندما يقول سليمان:
"ان ليس من سبب يبرر عدم تأليف حكومة الوحدة الوطنية، وعلى الكل تسهيل ذلك، ومن لا يسهل يرتكب خطأ جسيما في حق الوطن والشعب"… فانه يقوله من موقع مسؤولياته الرئاسية الحريصة على حفظ روح الوفاق، لكنه يعلم تماما ان هؤلاء "المتطلبين" لطالما استكثروا عليه الوصول الى سدة الرئاسة، ولطالما قالوا انهم لو لم يتنازلوا عنها لما آلت اليه. ولا بد انه يعلم ايضا ان هناك حسابات محلية معطوفة على حسابات خارجية تريد افشال عهده ومنعه من التقليع وجعل منطق الدولة الذي بنى عليه خطاب القسم نسياً منسياً!
طبعا هناك اسباب لدى البعض تبرر عرقلة تأليف الحكومة وهي تتصل بامور عدة، منها ما يتصل بالحكومة ومنها ما يتصل بالانتخابات النيابية، ومنها ما يتصل بالعهد وادائه.
بكلام اوضح هناك من يريد الحصول على حصة راجحة في الحكومة لكي يستعمل هذه الحصة دعائيا وخدماتيا في المعركة الانتخابية النيابية ودائما من منطلق الحرص على الايحاء للناس انه "ريكاردوس قلب الاسد"، واذا استعصى عليه هذا الامر فانه يحلم بان تتشكل الحكومة من دونه بما يسهل اثارة موضوع "الهولوكوست المسيحي" ويا غيرة الدين وعود الصليب… والسلام عليك يا مريم!
❒ ❒ ❒
اما في ما يتصل بأداء العهد فالمطلوب إنهاك الرئيس بهدف تحييد لواء قيام الدولة الذي يرفعه، وهذا امر له محطات اساسية تتصل تحديدا بالحضور الامني للدولة وبفعالية اجهزتها، وهو ما يجعل من وزير الدفاع المقبل وقائد الجيش وقادة الاجهزة الامنية مجرد محطات لأزمات ومنازعات وخلافات وخصوصا عندما تدخل البلاد نعمة حكومة "الثلث المعطل".
واذا كان سليمان يعتبر ان عدم تسهيل التشكيل هو بمثابة خطأ جسيم، فان البعض يعتبره بطولة واثبات قدرة، ومجالا لتأكيد العزم والوزن. وهو ما يعيدنا تكرارا الى "ريكاردوس قلب الاسد".
وعندما يتساءل الرئيس "على ماذا يقوم الخلاف، هل على الحقائب ام على الامور الوطنية الكبرى؟"، فلا بد انه يعرف جيدا ان الخلاف قائم على الحقائب، كما على الامور الوطنية الكبرى. فالحقائب بالنسبة الى البعض في المعارضة تشكل منطلقا لتأكيد العزم والوزن وترجيحا وترميما للحظوظ الانتخابية المتآكلة وللناس في هذا البلد عيون وآذان وبقية من عقل.
اما الامور الوطنية الكبرى بالنسبة الى البعض الآخر في المعارضة فانها تفرض التحكم في العناصر الضرورية في السلطة التنفيذية لتسهيل املاء رؤيتها للبنان كهوية ودور وموقع وسياسة. فالسؤال مطروح على مداه منذ ثلاثة عقود، "اي لبنان نريد؟".
ولان الرئيس يعرف كل هذا بالتأكيد، فانه يدرك تماما ان عقدة التشكيل لن تحل "في خلال يومين" – ينتهيان اليوم – بل ربما تحتاج الى اسبوعين وشهرين والله اعلم.